ألعاب أطفال اليمن تحاكي واقعهم

تقرير/ هشام الشبيلي

تسبب انقلاب ميليشيات الحوثي، المدعومة من إيران، واجتياحها المدن اليمنية بدمار شامل، ترك آثاره السلبية على كل مظاهر الحياة، ولم يسلم منه حتى الأطفال، فانعكست أجواء الحرب التي تعيشها البلاد على ألعابهم وأسلوب حياتهم.
محمد حسن، طفل يعمل بائعاً لقوارير المياه المعدنية في فترة الصباح بأحد شوارع مدينة مأرب، ويرتاد المدرسة مساء، يحمل معه لعبة عبارة عن سلاح كلاشنكوف كل مرة يخرج فيها. تنفذ قوارير المياه التي يبيعها ولا تنفذ ذخيرة لعبته.

أسرة هذا الطفل، كانت تسكن في محافظة إب، ومع مضايقة الحوثيين لوالده، نزحت العائلة إلى مأرب، المدينة التي لا ترفض من فرّ إليها ولا تظلمه، وكأنها ملجأ اليمنيين. أما والد الطفل فعاد لممارسة عمله كمدرس بإحدى مدارس ريف مأرب، بعيداً عن منزله وزوجته وطفليه.

العيد الموسم الأهم
رغم أجواء كورونا والخطر، تأبى الأسر اليمنية المكوث بالبيوت وترغب في الفسحة والتنزه خارج المدينة ومحيطها. أما في داخلها فليس هناك متنزهات ولا متنفسات، هذا الهوس الاجتماعي بالخروج والاحتفال يشكل فرصة وموسماً مهماً بالنسبة للباعة الجائلين.
ولم ينس محمد أن يفرح بالعيد ويلعب بـ"سلاحه"، الذي يصطحبه معه كأطفال المدينة، حيث نلاحظ ميلهم في الكثير من مناطق الحرب إلى اقتناء لعبة الكلاشنكوف والمسدسات وغيرها، مما يحاكي أسلحة القتال بكل أشكالها وأنواعها. كما تغرق الأسواق خلال مواسم الأعياد والمناسبات بمثل هذه الألعاب، التي تُضخ بكثافة إلى اليمن، وتكرس العنف في نفسية أجيال المستقبل، وتجذّر الفوضى والعدائية فيهم لتخلق مجتمعاً عدوانياً.

ألعاب تحاكي الواقع
يرى الأكاديمي عبد الله عماد، المتخصص في علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة إب، أن الدافع لدى الأطفال لتفضيل هذه الألعاب، بخاصة المسدسات والكلاشنكوف هو محاكاة الواقع، الذي يعيشونه؛ إذ تنتشر الأسلحة في المجتمع بشكل كبير، وهي متاحة لجميع الفئات، ويتباهى بحملها الصغار والكبار. والأطفال بالطبع يقلّدون الأكبر منهم.

يضيف، إلى جانب ذلك، يلعب الإعلام دوراً لا يمكن أن نغفله، وكذلك المسلسلات سواء أكانت عربية أو محلية. ويؤكد، أن الدراما بشكل عام، أحد أبرز المؤثرات على المجتمع، "نلاحظ وجود الكثير من المشاهد في الدراما اليمنية التي تعرض على الشاشات وفيها محاكاة للواقع الاجتماعي".
يتابع، أن أفلام الأطفال تحتوي أيضاً على مشاهد عنف تشجع على توجههم نحو اقتناء هذه الألعاب، كما تسهم الأسرة إلى حد كبير في ذلك من خلال توفيرها، ومكافأة أطفالهم بها. ولا ننسى التجار الذين يستوردون هذه الألعاب وينشرونها في الأسواق بأشكال وأحجام مختلفة، بهدف الكسب والربح السريع.

بحسب عماد، تسهم عوامل عدة في جعل هذه الألعاب مفضلة لدى الأطفال. يقول، "برأيي أهمها الواقع الاجتماعي واقتناء الأسلحة من قبل الكبار، والتباهي بحملها كجزء من مكملات الشخصية اليمنية ومتطلبات الرجولة، إلى جانب استخدامها كزينة للرجال وحملها بشكل متواصل من قِبل مرافقي الشخصيات الاجتماعية وأفراد المليشيات المنتشرة. والأطفال يقلدون ما يرون".

المخاطر المباشرة
ويرى المتخصص في علم الاجتماع، أن المخاطر موجودة حالياً، وتشكل خطراً حقيقياً على توجهات الأطفال في المستقبل، إضافة إلى ما يتعرضون له من مخاطر جسدية مباشرة، فهم يعتبرون حمل السلاح مظهراً يعبر عن الرجولة، وبدلاً من نبذه والتخلي عن حمله، واعتباره من المظاهر غير الطبيعية في المجتمع، نجدهم يتبعون هذه المظاهر بدون استهجانها. وكثيراً ما نسمع بالتحاق الأطفال بالعصابات المسلحة أو الميليشيات.
أضاف، الأخطر من هذا أن حمل السلاح وانتشاره، سواء أكان على شكل ألعاب أم حقيقة بين الأطفال، يُبعد توجههم المستقبلي عن الالتحاق بالمدارس، والتدريب المهني والتقني، والاستمرار في التعليم العالي والبحث العلمي، أو الالتحاق بمجالات العمل والمهن المختلفة فيتجهون نحو ممارسة العنف والالتحاق بالعصابات الإجرامية، ويغذي ذلك وجود جهات تستقطبهم وتجنّدهم وتغرر بهم وتزجهم في الصراعات والقتال في صفوفها.

ويرى أن هناك مخاطر مختلفة على الأطفال منها التعود على حمل السلاح مبكراً، والمخاطر الجسدية التي يتعرضون لها بأنفسهم، أو يؤذون بها الآخرين، إلى جانب المخاطر الاجتماعية والأخلاقية؛ كالانحراف، وممارسة السرقة، والإتجار بالمخدرات، والمخاطر الأمنية، التي قد يسببونها للمجتمع.

إقبال كثيف
في الآونة الأخيرة انتشرت مشاهد حمل الأطفال للأسلحة القتالية البلاستيكية، وتشهد محال بيع الألعاب إقبالاً كثيفاً عليها، خصوصاً في أيام الأعياد، ما يشير إلى عمق تأثير الحرب في نفسية الأطفال وسلوكياتهم اليومية.
في ما مضى كانت الأعياد تَمنح أطفال اليمن الفرحة والسعادة والهدايا والثياب الجديدة. أما اليوم وبفعل حرب الحوثيين على الدولة فقد تغير هذا المفهوم وباتت أدوات الحرب والاقتتال من أبرز ألعابهم، بل وتطورت. قبل الحرب كانت المسدسات مائية تطلق قطرات الماء وبالونات تطلق في الهواء، وأخيراً  باتت عبارة عن بندقية وصاروخ، وأصبحوا يرددون شعارات الحرب والموت، التي تبثها الميليشيات عبر ثماني شاشات تلفزيونية ونحو 30 إذاعة، تنقل خطابات تحريضية على مدار الساعة.
إبراهيم داوود، والد أحد الأطفال، يشكو خطر المسدسات البلاستيكية على الأطفال، مؤكداً أن ابنه تعرّض لطلقة من لُعبة أحد أبناء الجيران، ما تسبب بتضرر عينه. يقول، إنه يجب على السلطات منع هذه الألعاب من دخول البلاد لما لها من أضرار.

الحوثيون غيروا المناهج
وفي ما يخص المناهج التعليمية في الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية، عمد الحوثيون عبر وزارة التربية التي يسيطرون عليها إلى تغيير المناهج، وأدخلوا إليها مصطلحات قتالية وأسماء أسلحة وبعض الأوامر العسكرية.
يقول التربوي عبد الله الفقيه، إن ظاهرة الألعاب التي انتشرت في السوق بشكل غير طبيعي وغير مألوف مؤذية للأطفال، وقد تتسبب بأضرار جسدية لديهم.

يضيف، "هذه الألعاب خطيرة، وعلى جميع الآباء والتجار أن يراعوا مصالح الأبناء والأطفال، فهم الثروة الحقيقية لليمن، وعلينا الحفاظ عليهم. وعلى كل فرد في هذا المجتمع أن يؤدي دوره لحماية هذا الجيل والابتعاد عن كل ما يضر به".

"إندبندنت"​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى