إن وجود قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة على الأرض يترك أثرًا واضحًا ومباشرًا، وقد تجلى ذلك في التحسن النسبي لصرف العملة، وتحسن الخدمات، وتعزيز الأمن، وفرض الإجراءات التي تخدم المواطن أولًا وأخيرًا، وهذا التواجد هو الحق الطبيعي والواجب المفترض لكل من يمثل هذا الشعب ويُعنى بمصالحه.

إن استمرار هذا التواجد ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة قصوى. فالمواطنون أنهكتهم سنوات الغلاء والفقر وانهيار الخدمات، وهم يترقبون من قيادتهم استكمال معالجة الملفات العالقة التي تمس حياتهم اليومية في صميمها.

أما الغياب والانقطاع عن عدن وبقية المحافظات، فيفتح أبواب الفراغ واسعًا، ويزرع في النفوس شعورًا بفقدان الأمل، ويمنح خصوم الجنوب مساحات للتحريض وتأجيج الأزمات وتعقيد المشهد، وهو مشهد بالغ التعقيد أساسًا بفعل طول أمد الحرب وتداعياتها.

الحضور المتقطع والغياب الطويل صار موضوعًا للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، ووجبة دسمة للتحريض الإلكتروني، ما يعكس في عقول المواطنين العديد من التفسيرات والشكوك حول أسباب فترات الغياب الممتدة.

ولعلّ من أبرز دروس الواقع اليمني أن صمود الحوثيين، رغم مشروعهم غير الشرعي، يعود إلى حرصهم على بقاء قياداتهم على الأرض، وإشرافهم المباشر على تفاصيل الأمور، وسد كل منفذ يمكن أن يتسلل منه خصومهم لزعزعة أوضاعهم.

القرب من هموم الناس، والإنصات لشكاواهم، يمنح القيادة صورة أوضح عن كل القضايا، ويهيئ لها فرصة صياغة حلول واقعية قابلة للتنفيذ. فكما لا نصر عسكري بلا قيادة في الصفوف الأمامية، لا نصر اقتصادي أو سياسي بلا قيادة في قلب الميدان.

الفراق يولّد فراغًا وبكل تأكيد مع مرور الوقت يأتي من يملؤه بأفكاره وأجنداته. نعم، نحن ندرك أن التحرك الخارجي للقيادة ضرورة سياسية لإقامة التحالفات وشرح المواقف، لكن الواقع يؤكد أن التواجد المستمر في الداخل هو صمام الأمان، وضابط الإيقاع، وأداة حلحلة الأزمات، خاصة في ظروف كظروفنا، حيث تهاوت مقومات الدولة وتصدّعت مفاهيمها.

لقد كان الحضور الأخير للقيادة، ونشاطها الميداني الملحوظ، بمثابة دفقة حياة أعادت للمواطن المنهك شيئًا من الأمل، لكن الطريق ما زال طويلًا. ملفات كثيرة تحتاج إلى تحريك عاجل، وعلى رأسها ملف التعليم، خصوصًا مع اقتراب العام الدراسي الجديد. التعليم اليوم يقف على حافة الانهيار، ويحتاج إلى تدخل حاسم يضمن انتظام العملية التعليمية، ويضع حدًا للإضرابات التي تهدد مستقبل الأجيال.

وحضرموت، ومعها بقية محافظات الجنوب، تحتاج إلى زيارات ميدانية دورية، ومتابعة لصيقة، وحلول عاجلة لمشكلاتها، لأن الفراغ هناك يُغري المتربصين بالتدخل والإضعاف، ولا يجوز ترك مساحات مفتوحة لأجندات معاكسة لمصلحة الجنوب.

إن التواجد على الأرض هو مفتاح النصر، وسلاح دحض الشائعات، ودرع مواجهة التحريض. فالميدان لا يكذب، والعمل الميداني وحده يترجم الأقوال إلى إنجازات، ويعيد للمواطن ثقته بقيادته، ويوقظ فيه الحلم ببناء مؤسسات قادرة على الصمود.

في الختام، رسالتنا ثابتة وواضحة: الفراق يترك فراغًا، وهناك من يتربص لملئه، فاجعلوا الميدان ساحة حضوركم الدائم قبل أن يسبقكم الآخرون إليه.