في كل منعطف من تاريخ الجنوب، كانت أبين حاضرة كمنبع للقيادات السياسية والعسكرية، من زمن الدولة الجنوبية برموزها سالم ربيع علي وعلي ناصر محمد، مرورًا بشخصيات نافذة في عهد الوحدة، وصولًا إلى القيادات التي تتصدر المشهد اليوم. ومع ذلك، تبدو أبين الآن وكأنها شاهدة صامتة على خذلان أبنائها النافذين، إذ بقيت على حالها: طرق محفّرة، قرى منسية، شباب عاطلون، وخدمات متردية.

إلى جانب ثقلها التاريخي والسياسي، تمتلك أبين موقعًا استراتيجيًا يتوسط محافظات الجنوب ويربطها كقلب نابض، فضلًا عن سواحل ممتدة ووديان خصبة كان يمكن أن تجعلها سلة غذاء للجنوب واليمن معًا. لكن الحصيلة بعد عقود من وجود أبنائها في كراسي القرار، سواء في عدن أو صنعاء، تكاد تكون صفرًا: لا مؤسسات حيوية، لا جامعات، لا موانئ، ولا مشاريع زراعية أو سمكية حديثة. ثروات في البر والبحر، وفقر في الواقع.

لطالما كانت أبين خط الدفاع الأول عن الجنوب، وقدمت آلاف الشهداء والمقاتلين في معارك التحرير ضد الاستعمار البريطاني، ثم في جولات النضال اللاحقة. لكن كل حرب تركت جراحًا أعمق وفقرًا أشد، بلا أي عائد سياسي أو اقتصادي يذكر.

غياب التنمية كان البوابة التي عبر منها الفقر، ومنه تمددت أذرع التطرف. وجدت الجماعات الإرهابية أرضًا مهيأة: شباب بلا فرص، أسر بلا دخل، وجهل يطرد الأمل. واستغلّت قوى الشمال هذه الثغرة، محوّلة أبين إلى ساحة صراع، تستحضر جراح ما قبل الوحدة وتزرع الإرهاب. هكذا وجد بعض أبناء أبين أنفسهم وقودًا لحروب لا تنتهي، بينما انشغل القادة بالمصالح والتحالفات.

مع استمرار الإهمال، باتت بعض مناطق أبين معروفة عالميًا كمعاقل للتطرف، فيما تحولت مناطق أخرى إلى ممرات للتهريب من إثيوبيا والصومال، في ظل ضعف أمني وفجوات كبيرة في الضبط والسيطرة. مشاهد الفقر المدقع في لودر، وانقطاع الخدمات في أحور، وانهيار الطرق في المحفد تختصر عقودًا من الإهمال المتعمد، وتكشف حجم الكارثة الإنسانية والمعيشية.

اليوم، تبدو أبين محافظة منكوبة، أبناؤها بين مشردين ومهمشين، وخدماتها في أسوأ حالاتها. وهذا ما يفرض على المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اتخاذ موقف استثنائي: لا لمجرد تضميد الجراح، بل لتحويل أبين إلى نموذج في الزراعة وصيد الأسماك والسياحة الساحلية. فالمحافظة تملك مقومات الاكتفاء الذاتي وخلق آلاف الوظائف، إذا أُحسن استثمار مواردها، مع إشراك جميع أبنائها في مؤسسات الدولة.

ورغم قسوة المشهد، يبقى الأمل في أن تنهض أبين من تحت الركام. فقد أثبتت عبر التاريخ أنها ولّادة لرجال دولة من طراز رفيع. لكن ذلك لن يحدث إلا إذا كسر أبناؤها النافذون حلقة الإهمال، وتعاونوا بصدق مع السلطات الأمنية والخدمية، وانفتحوا على بقية الجنوبيين، وقطعوا الطريق على من يقتاتون على أوتار الصراعات القديمة.

إن تجاوز الماضي بكل آلامه هو مفتاح المصير المشترك، فالتاريخ والجغرافيا والمصالح تجمع الجنوبيين في وحدة هدف، ولا مستقبل لهم إلا بالتكاتف، وفتح صفحة جديدة من التصالح والصفح الحقيقي، في عهد حضاري يليق بتضحياتهم ويعيد لأبين مكانتها المستحقة.