بعد حرب 2015، شهدت القوات الجنوبية تشكّلًا سريعًا للعديد من الوحدات والتشكيلات العسكرية نتيجة الظروف الطارئة التي فرضتها الحرب، لا سيما بعد القضاء على الجيش الجنوبي في حرب 1994. جاء هذا التشكيل كضرورة عاجلة لمواجهة الحوثيين وقوات صالح المتحالفة معهم، معتمدًا على الشباب والمتطوعين من المقاومة الجنوبية، دون المرور بالتدريب والتوعية العسكرية الضرورية، مع استثمار بعض الخبرات المتبقية من الجيش الجنوبي السابق لتوجيه هذه الوحدات. ورغم ذلك، بقيت الفجوة التدريبية كبيرة، إذ لم تتح لهذه القوات الفرصة لصقل مهاراتها وفق أسس عسكرية منهجية.

مع تصاعد المواجهات، اكتسبت قوات الأمن والحزام الأمني وقوات العمالقة وقوات العاصفة والنخب في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى خبرات عملية وتوجيهًا فوريًا في الميدان. غير أن الاعتماد على الخبرة الميدانية وحدها لا يغني عن التدريب المنهجي والمستمر المبني على أحدث الممارسات العسكرية العالمية. فقد أثبتت التجارب أن الكفاءة والتخطيط الاستراتيجي لا يمكن تعويضهما بالخبرة العملية فقط، خاصة عند مواجهة تحديات معقدة ومتغيرة.

استجابت قيادة القوات المسلحة لهذه الحاجة، فتم إعادة تنشيط الكلية الحربية وأركان القيادة، وتخرجت دفعات من القيادات الشابة والأفراد، بالإضافة إلى بعض الدفعات من الخارج، مما عزز مستوى الكفاءة العسكرية وأتاح للقوات بناء قاعدة صلبة من الخبرة المؤسسية. ومع ذلك، يبقى استمرار هذا النهج ضرورة استراتيجية، من خلال تنظيم دورات تدريبية منتظمة وممنهجة، لردع الأخطاء التي ظهرت في السابق على مستوى الأفراد والقيادات، والتي استُغلت إعلاميًا في حملات دعائية لتشويه سمعة القوات المسلحة والأمن.

التدريب العسكري وصقل مبادئ العقيدة العسكرية، مع توجيه القوات نحو الأهداف الاستراتيجية، ليس خيارًا بل أولوية لكل الجيوش في العالم. فهو الأساس الذي تُبنى عليه الخطط العسكرية الدقيقة، ويوفر الجهد والدماء في ساحة المعركة، ويصنع سمعة المؤسسات العسكرية على أسس احترافية ومهنية. إن التعلم من أخطاء الماضي، والاستثمار في تدريب مستدام ومنهجي، هو ما يضمن للقوات القدرة على الصمود وتحقيق أهدافها في أي مواجهة مستقبلية.

ولا يقتصر التدريب العسكري على الانضباط وتلقي العلوم، بل يجب أن يشمل مهارات التعامل مع المواطنين واحترامهم، بعيدًا عن مظاهر الفساد أو الرشوة، وعدم استغلال مواقعهم لتعزيز ثقة الناس بالقوات. ما شهدناه من أخطاء في التعامل مع المواطنين واصطدام بعض القوات ببعضها، وغيرها من الأحداث خلال الفترة الماضية، يعود في جزء كبير منه إلى ضعف التدريب والعقيدة العسكرية الموجهة، وهو ناقوس خطر يهدد المؤسسة العسكرية واستقرار المجتمع.

خلال العقد الماضي، كان أبرز إنجاز في الجنوب إعادة تشكيل القوات المسلحة والأمن، في ظل ضعف الخدمات الأخرى التي عانى منها الشعب. لذلك، تظل الأولويات العسكرية واضحة: استمرار التدريب الممنهج، تطوير برامج تعليمية متخصصة للقيادات والأفراد الجدد، تعزيز التعاون بين الوحدات، واعتماد التقييم الدوري للأداء لتجنب الأخطاء واستغلالها إعلاميًا. فقد أثبتت التجربة أن الاستعداد المبكر والمستمر هو السبيل الأمثل لحماية المؤسسة العسكرية وتحقيق الانتصار الميداني والإعلامي.

كما يجب على القيادة الاستفادة من التجارب السابقة لتجنب الأخطاء، مثل دمج الوحدات غير المتجانسة وغربلة بعض القيادات التي تضر بسمعة المؤسسة وإعادة النظر في شروط الالتحاق. ويجب أيضًا مراعاة التحديات المستقبلية من خلال توفير الإمكانات المادية، ووضع خطط تدريبية متوازنة تشمل البر والبحر والجو، لضمان قوة عسكرية متكاملة قادرة على مواجهة كافة التحديات بثقة وكفاءة.