في وقت يرزح فيه ملايين اليمنيين تحت وطأة الفقر وانعدام الرواتب وارتفاع الأسعار، تتكشف بين الحين والآخر ملفات فسادٍ جديدة، أبرزها ما يعرف بـ الإعاشة والتي تحولت من مفهومها الطبيعي إلى أداة بيد نافذين ومسؤولين للحصول على مبالغ طائلة بالعملة الصعبة، فيما تحرم منها الفئات التي تستحقها فعلًا.

الإعاشة في الأصل مخصص مالي يمنح للعسكريين أو الموظفين المتفرغين لتغطية احتياجاتهم اليومية في مواقع العمل، أو للطلاب والموفدين بمهام رسمية خارج البلاد. غير أنها في الواقع اليمني الراهن خرجت عن هذا الإطار لتصبح باباً خلفيا للفساد.

ويفترض أن تصرف الإعاشة للجنود والموظفين المتواجدين في مواقع عملهم، أو للمبتعثين بموجب قرارات رسمية واضحة.

لكن ما يحدث اليوم هو أن مسؤولين ووكلاء محافظين ونافذين وبرلمانيين وآخرين يسجلون أنفسهم وأقاربهم في الكشوفات، رغم أن هؤلاء يعيشون مستثمرين وسياحة في الخارج ولا يؤدون أي خدمة للوطن.

الأخطر من ذلك أن المبالغ تحوّل لهم بالعملة الصعبة، بينما رواتبهم الأساسية تسلم لبعض أسرهم وأقاربهم في الداخل.

هنا يبرز السؤال الجوهر بأي حق في أي قانون أو نص دستوري يحق للمسؤول أن يسجل أبناءه أو أقاربه إعلاميين تبعه ضمن كشوفات الإعاشة.!

أليس هذا استنزافا للعملة الصعبة التي يحتاجها البلد اليوم في استيراد الغذاء والدواء؟

أليس صرف الإعاشة بهذه الطريقة أشبه برشوة سياسية لضمان ولاء النافذين وإبقائهم في الخارج في حالة رفاهية وسياحة، بينما يتضور المواطن البسيط جوعًا.

هذا العبث لا يقف عند حدود الفساد المالي فحسب، بل ينعكس في إضعاف قدرات الدولة من الداخل عبر حرمان الجنود والموظفين الحقيقيين من مستحقاتهم.

استنزاف النقد الأجنبي وتحويله إلى حسابات خاصة، فيما يعاني البنك المركزي شحًّا في السيولة.

ترسيخ ثقافة الامتيازات حيث تتحول الوظيفة العامة من خدمة للوطن إلى وسيلة للإثراء غير المشروع.

الإعاشة حق إذا صرفت في مكانها الصحيح، لكنها في اليمن اليوم تحولت إلى ملف فساد خطير يحتاج إلى فتح تحقيق شفاف من قبل الجهات الرقابية والقضائية. فليس من المعقول أن تصرف الأموال العامة في غير محلها بينما يفتش المواطن عن لقمة العيش والبلد تغرق في بالأمطار والسيول الجارفة.