- قراءة في الانتقال من الاستشراف الاستراتيجي إلى مسار مرحلي واقعي ومتدرج
يأتي هذا المقال بوصفه محاولة لاستكمال ذلك النقاش، عبر تفكيك الالتباس بين مستويين مختلفين من التفكير: استشراف الإمكانات الاستراتيجية من جهة، وبناء مسار تقدّمي مرحلي من جهة أخرى. فالقضية هنا ليست إعلان خيارات كبرى أو إطلاق وعود تنفيذية، بل فهم الكيفية التي تُدار بها رهانات عالمية - كالاقتصاد الرقمي - في بيئات انتقالية، بحيث يتحوّل الانتقال من الرؤية إلى الفعل إلى حركة زاحفة محسوبة، لا قفزة في الفراغ ولا انتظارًا مُعطِّلًا.
- الرؤية الاستراتيجية وحدود التنفيذ
الرؤية الاستراتيجية، في هذا السياق، لا تعني وعدًا زمنيًا أو التزامًا تنفيذيًا، بل تمثل إطارًا ذهنيًا يساعد صانعي القرار على إدراك اتجاه الريح التاريخية، وتجنّب أن تجد الكيانات نفسها تبدأ من الصفر مع كل تحوّل دولي أو تقني.
- هل اللاحرب واللاسلم عائق مطلق؟
في هذا الإطار، لا يعني واقع اللاحرب واللاسلم استحالة الحركة، لكنه يفرض نمطًا مختلفًا من التفكير والتنفيذ، يقوم على قراءة دقيقة للهوامش المتاحة، وتجنّب المشاريع التي قد تُفسَّر بوصفها استفزازًا سياسيًا أو أمنيًا، والتركيز بدلًا من ذلك على وظائف خدمية وداعمة قابلة للاستمرار.
- من القفزة إلى الزحف الاستراتيجي
الزحف، بهذا المعنى، لا يدّعي أدوارًا قيادية كبرى منذ البداية، بل يسعى إلى شغل مواقع دعم ووظائف مساندة داخل المنظومة الاقتصادية الأوسع، بما يسمح بتراكم الخبرة، وبناء الثقة، واستقطاب الشراكات دون رفع سقف التوقعات.
- ما الذي يمكن البدء به واقعيًا؟
كما يتطلب هذا المسار اعتماد مفهوم الأمن الفني والتشغيلي لحماية المنشآت والمرافق، بعيدًا عن عسكرة الفكرة أو تسييسها، وبناء شراكات مرنة بصيغ BOT وPPP، دون تحميل الكيانات القائمة أعباء مباشرة أو التزامات تفوق قدرتها الحالية.
ويظل نجاح هذا المسار الزاحف مرهونًا، إلى جانب البنية التحتية والشراكات، بإعادة توجيه واقعية لمنظومة التعليم، تبدأ بتطوير التعليم الفني والتقني، وتحديث المسارات الجامعية المتخصصة المرتبطة بالاتصالات، واللوجستيات الذكية، وإدارة الموانئ، والأمن السيبراني، بما يضمن توافر رأس مال بشري مؤهَّل يواكب التحول خطوة بخطوة.
الكابلات البحرية كنموذج تطبيقي
يمثل ملف الكابلات البحرية مثالًا عمليًا على الفرق بين الرؤية والتنفيذ المرحلي. فالسؤال ليس ما إذا كان بالإمكان التحول فورًا إلى مركز إقليمي لإدارة هذه الكابلات، بل ما إذا كان يمكن البدء بدور أقل سقفًا وأكثر واقعية، كمركز دعم وصيانة تدريجي.
ويتطلب هذا الدور إطارًا تنظيميًا واضحًا، وتأمين نقاط إنزال، وتوفير مرافق لاستقبال سفن الكابلات، وبناء كوادر فنية محلية، إضافة إلى شراكات مع مشغلي الكابلات الدوليين. وهي خطوات قابلة للشروع التدريجي دون انتظار تسوية شاملة أو استقرار كامل.
- الخلاصة
ما يُطرح هنا هو مسار ثالث: رؤية واضحة تستشرف الإمكانات، وتنفيذ مرحلي زاحف يحجز موقعًا مبكرًا، وشراكات محسوبة تتوسع مع تحسّن الظروف. وبهذا المعنى، لا يكون التفكير في الاقتصاد الرقمي ترفًا فكريًا، بل محاولة واقعية لضمان ألا يبدأ هذا الفضاء من الصفر مع كل تحوّل إقليمي أو دولي.



















