> صلاح أبو لحيم:

في منتصف شعبان من كل عام تختار بلدة أحور بمحافظة أبين جنوبي البلاد أن تكتب فرحتها بلغة الأطفال. فمع الفجر، تتحول حواريها وقُرَاها إلى خريطة ممتدة من الألوان والأناشيد، يُحييها أبناؤها الصغار عبر طقس "عيد الشويللاه" العريق، كتحدٍ صامت لظروف العيش القاسية، وتأكيد حي على تمسك المجتمع بجذوره وهوياته.


تبدأ الملحمة مع سطوع الشمس، حيث ينتظم الأطفال في مواكب جماعية، يرتدون أزهى ملابسهم، ليجوبوا المنازل مرددين هتافات الفرح القديمة: "شي لله ،، شي لله". في كل بيت، يستقبلهم السكان بكمٍّ من الحلوى والبسكويت والنقود، في مشهد يُجسّد أعلى درجات التكافل الاجتماعي، ويحوِّل العادة إلى مناسبة لتعميم البهجة وتقوية النسيج المجتمعي.

تحمل هذه العادة في طياتها ذاكرة شعبية عميقة. تروي القصص المتوارثة حيث ذكر الداعية والمفكر الإسلامي ابي بكر العدني بن علي المشهور في كتابه (قبسات النور) أنها بدأت كاستجابة دينية واجتماعية لوباء اجتاح المنطقة منذ قرون ولعله وباء الجذري الذي أدى إلى وفاة عشرات الأطفال من أبناء البلدة.


وبناءً على إرشاد أحد الصالحين من أحفاد الشيخ سعيد بن عيسى العمودي، تَصَدَّق الناس في هذا اليوم تطبيقًا للحديث النبوي "داووا مرضاكم بالصدقة"، فزال البلاء. ومنذ ذلك الحين، تحول اليوم إلى عيد سنوي، يجتمع فيه الفرح الديني بالاجتماعي، ليمنح المجتمع مناعة روحية في مواجهة المحن.

اليوم يواجه هذا التراث تحدياتٍ حقيقيةً مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشة. إلا أن الأسر في أحور تصر على إحيائه، مؤمنة بأنه استثمار في الهوية والذاكرة الجماعية.

لا ينتهي العيد مع غروب الشمس، بل يتحول فصله الثاني إلى مناسبة دينية عميقة. تمتلئ مساجد أحور بالمصلين في ليلة النصف من شعبان، بالقرآن والدعاء، لتمتزج بهجة الأطفال الروحية بفرحتهم الدنيوية، في تكامل نادر يضفي على المناسبة قدسية خاصة.


"الشويللاه" هي أكثر من موكب أطفال لأطفال وسكان بلدة أحور إنها بيان ثقافي حي، إنها قصة مجتمع يرفض أن تُغلب هموم الحاضر على فرحته، ويصر على أن تظل طفولته، رغم كل العواصف، قادرة على صناعة الأمل وترميم الروح الجماعية. إنها إرث من الفرح، تُحمله الأجيال الصغيرة، كشعلة لا تنطفئ.