في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها اليمن، يبرز الحديث عن مؤتمر حوار جنوبي–جنوبي مرتقب، لم يُحدَّد موعد انعقاده بعد، لكنه بات يمثل استحقاقًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يمكن تجاهله. فالقضية الجنوبية، التي ظلت طوال سنوات محورًا رئيسيًا في الجدل الوطني، لم تعد تحتمل مزيدًا من التشتت في تمثيلها أو التباين غير المنظَّم في مقاربات حلها.
من المتوقع أن يضم المؤتمر مكونات سياسية جنوبية ذات رؤى متباينة، إلى جانب شخصيات اجتماعية تمثل مختلف المحافظات. وهذه التركيبة، إن أُحسن إدارتها، يمكن أن تعكس التنوع الحقيقي في الجنوب، لا بوصفه انقسامًا، بل باعتباره تعددية مشروعة داخل إطار قضية واحدة.
أولًا: ما الذي لن يكون محل خلاف؟
ليس متوقعًا أن ينشغل المؤتمر طويلًا بإعادة تعريف القضية الجنوبية أو استعادة سرديتها التاريخية، فقد سبق أن تناول مؤتمر الحوار الوطني اليمني كثيرًا من تلك الجوانب، ووضع معالجات سياسية ضمن تصور الدولة الاتحادية آنذاك. غير أن التطورات التي أعقبت ذلك—من تعثر المرحلة الانتقالية، إلى الحرب، إلى التحولات في موازين القوى—تفرض مراجعة نقدية هادئة لتلك المخرجات، لا من باب الهدم، بل من زاوية التقييم وإعادة التكييف مع الواقع الجديد.
ثمّة شبه إجماع جنوبي على وجود مظلومية سياسية و حقوقية، وعلى ضرورة معالجة اختلالات بنيوية في شكل الدولة والعلاقة بين المركز والأطراف. غير أن الإجماع يتراجع حين ننتقل من تشخيص المشكلة إلى تحديد الحل.
ثانيًا: إدارة الاختلاف بوصفها جوهر الاختبار
التباين في الرؤى أمر طبيعي في أي مجتمع سياسي حي. فبين من يرى أن الحل يكمن في استعادة دولة مستقلة، ومن يطرح الفيدرالية الموسعة، ومن يتبنى حلولًا انتقالية مرحلية، تتعدد المقاربات وتختلف زوايا النظر. الإشكالية ليست في هذا التعدد، بل في كيفية إدارته.
إن تحويل الخلاف إلى تخوين، أو الرأي المخالف إلى شبهة، يفرغ أي حوار من مضمونه. فالبيئة الأخلاقية للحوار لا تقل أهمية عن جدول أعماله. وكل رؤية ينبغي أن تُناقش بالحجة، وتُفكك منطقيًا، وتُختبر واقعيًا: ما قابليتها للتطبيق؟ ما كلفتها السياسية؟ ما مدى قبولها داخليًا وإقليميًا ودوليًا؟ وما أثرها على الاستقرار طويل المدى؟
إن النضج السياسي يُقاس بقدرة الفاعلين على الإذعان للحجة الأقوى، لا بالتمسك بالمواقف الأكثر صخبًا.
ثالثًا: من الشعارات إلى الأسئلة العملية
التحدي الأكبر أمام المؤتمر المرتقب يتمثل في الانتقال من العموميات إلى التفصيلات. فالقضايا الكبرى تحتاج إلى إجابات دقيقة، من قبيل:
ما شكل الكيان السياسي المنشود؟
ما طبيعة العلاقة المستقبلية مع بقية الجغرافيا اليمنية؟
كيف تُدار الموارد السيادية؟
ما الضمانات الدستورية والسياسية لأي صيغة يتم الاتفاق عليها؟
كيف تُبنى مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية بعيدًا عن الانقسامات السابقة؟
هذه الأسئلة لا يمكن التعامل معها بخطاب تعبوي، بل تتطلب مقاربات قانونية ودستورية واقتصادية عميقة، تستند إلى دراسات وخبرات، لا إلى رغبات مجردة.
رابعًا: البعد المجتمعي للحوار
إشراك شخصيات اجتماعية من مختلف المحافظات يمنح المؤتمر فرصة لتوسيع دائرة النقاش، بحيث لا يبقى حكرًا على النخب الحزبية. فالقضية الجنوبية ليست ملفًا تفاوضيًا فحسب، بل مسألة تتصل بحياة الناس اليومية: الخدمات، الأمن، العدالة، فرص العمل، وإدارة الموارد.
أي رؤية لا تلامس هموم المواطن المباشرة ستبقى مشروعًا نخبويًا معلقًا في فضاء الخطاب السياسي.
خامسًا: بين التوافق الجنوبي والحل الوطني الشامل
مهما بلغت درجة التوافق الجنوبي، فإن أي صيغة نهائية ستظل مرتبطة بسياق الحل السياسي الشامل في اليمن. فالقضية الجنوبية جزء من معادلة وطنية أوسع، تتداخل فيها حسابات الداخل مع اعتبارات الإقليم والمجتمع الدولي.
ومن هنا، فإن القيمة الاستراتيجية للحوار الجنوبي–الجنوبي لا تكمن فقط في توحيد الصف، بل في إنتاج رؤية واقعية قابلة للطرح على طاولة التسوية الشاملة. رؤية تُدرك حدود الممكن، وتوازن بين الطموح السياسي والاعتبارات العملية.
خاتمة: إن انعقاد المؤتمر المرتقب، في حد ذاته، ليس إنجازًا كافيًا. الإنجاز الحقيقي يكمن في نوعية المخرجات، وفي القدرة على صياغة حد أدنى من القواسم المشتركة، يُحوّل التعدد إلى عنصر قوة، لا إلى عامل إنهاك.
القضية الجنوبية أكبر من أن تختزل في صوت واحد، وأعمق من أن تُدار بمنطق الغلبة. وإذا كان الجنوب يسعى إلى مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة، فإن أولى خطواته تبدأ بإدارة اختلافه بعقلانية، واحترام تنوعه، وبناء رؤيته على أسس سياسية رصينة، تمكّنه من الحضور بفاعلية في أي تسوية وطنية قادمة.
فالحوار، في نهاية المطاف، ليس مجرد اجتماع يُعقد، بل اختبار لقدرة الفاعلين على الارتقاء من صراع الإرادات إلى شراكة الرؤية.
من المتوقع أن يضم المؤتمر مكونات سياسية جنوبية ذات رؤى متباينة، إلى جانب شخصيات اجتماعية تمثل مختلف المحافظات. وهذه التركيبة، إن أُحسن إدارتها، يمكن أن تعكس التنوع الحقيقي في الجنوب، لا بوصفه انقسامًا، بل باعتباره تعددية مشروعة داخل إطار قضية واحدة.
أولًا: ما الذي لن يكون محل خلاف؟
ليس متوقعًا أن ينشغل المؤتمر طويلًا بإعادة تعريف القضية الجنوبية أو استعادة سرديتها التاريخية، فقد سبق أن تناول مؤتمر الحوار الوطني اليمني كثيرًا من تلك الجوانب، ووضع معالجات سياسية ضمن تصور الدولة الاتحادية آنذاك. غير أن التطورات التي أعقبت ذلك—من تعثر المرحلة الانتقالية، إلى الحرب، إلى التحولات في موازين القوى—تفرض مراجعة نقدية هادئة لتلك المخرجات، لا من باب الهدم، بل من زاوية التقييم وإعادة التكييف مع الواقع الجديد.
ثمّة شبه إجماع جنوبي على وجود مظلومية سياسية و حقوقية، وعلى ضرورة معالجة اختلالات بنيوية في شكل الدولة والعلاقة بين المركز والأطراف. غير أن الإجماع يتراجع حين ننتقل من تشخيص المشكلة إلى تحديد الحل.
ثانيًا: إدارة الاختلاف بوصفها جوهر الاختبار
التباين في الرؤى أمر طبيعي في أي مجتمع سياسي حي. فبين من يرى أن الحل يكمن في استعادة دولة مستقلة، ومن يطرح الفيدرالية الموسعة، ومن يتبنى حلولًا انتقالية مرحلية، تتعدد المقاربات وتختلف زوايا النظر. الإشكالية ليست في هذا التعدد، بل في كيفية إدارته.
إن تحويل الخلاف إلى تخوين، أو الرأي المخالف إلى شبهة، يفرغ أي حوار من مضمونه. فالبيئة الأخلاقية للحوار لا تقل أهمية عن جدول أعماله. وكل رؤية ينبغي أن تُناقش بالحجة، وتُفكك منطقيًا، وتُختبر واقعيًا: ما قابليتها للتطبيق؟ ما كلفتها السياسية؟ ما مدى قبولها داخليًا وإقليميًا ودوليًا؟ وما أثرها على الاستقرار طويل المدى؟
إن النضج السياسي يُقاس بقدرة الفاعلين على الإذعان للحجة الأقوى، لا بالتمسك بالمواقف الأكثر صخبًا.
ثالثًا: من الشعارات إلى الأسئلة العملية
التحدي الأكبر أمام المؤتمر المرتقب يتمثل في الانتقال من العموميات إلى التفصيلات. فالقضايا الكبرى تحتاج إلى إجابات دقيقة، من قبيل:
ما شكل الكيان السياسي المنشود؟
ما طبيعة العلاقة المستقبلية مع بقية الجغرافيا اليمنية؟
كيف تُدار الموارد السيادية؟
ما الضمانات الدستورية والسياسية لأي صيغة يتم الاتفاق عليها؟
كيف تُبنى مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية بعيدًا عن الانقسامات السابقة؟
هذه الأسئلة لا يمكن التعامل معها بخطاب تعبوي، بل تتطلب مقاربات قانونية ودستورية واقتصادية عميقة، تستند إلى دراسات وخبرات، لا إلى رغبات مجردة.
رابعًا: البعد المجتمعي للحوار
إشراك شخصيات اجتماعية من مختلف المحافظات يمنح المؤتمر فرصة لتوسيع دائرة النقاش، بحيث لا يبقى حكرًا على النخب الحزبية. فالقضية الجنوبية ليست ملفًا تفاوضيًا فحسب، بل مسألة تتصل بحياة الناس اليومية: الخدمات، الأمن، العدالة، فرص العمل، وإدارة الموارد.
أي رؤية لا تلامس هموم المواطن المباشرة ستبقى مشروعًا نخبويًا معلقًا في فضاء الخطاب السياسي.
خامسًا: بين التوافق الجنوبي والحل الوطني الشامل
مهما بلغت درجة التوافق الجنوبي، فإن أي صيغة نهائية ستظل مرتبطة بسياق الحل السياسي الشامل في اليمن. فالقضية الجنوبية جزء من معادلة وطنية أوسع، تتداخل فيها حسابات الداخل مع اعتبارات الإقليم والمجتمع الدولي.
ومن هنا، فإن القيمة الاستراتيجية للحوار الجنوبي–الجنوبي لا تكمن فقط في توحيد الصف، بل في إنتاج رؤية واقعية قابلة للطرح على طاولة التسوية الشاملة. رؤية تُدرك حدود الممكن، وتوازن بين الطموح السياسي والاعتبارات العملية.
خاتمة: إن انعقاد المؤتمر المرتقب، في حد ذاته، ليس إنجازًا كافيًا. الإنجاز الحقيقي يكمن في نوعية المخرجات، وفي القدرة على صياغة حد أدنى من القواسم المشتركة، يُحوّل التعدد إلى عنصر قوة، لا إلى عامل إنهاك.
القضية الجنوبية أكبر من أن تختزل في صوت واحد، وأعمق من أن تُدار بمنطق الغلبة. وإذا كان الجنوب يسعى إلى مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة، فإن أولى خطواته تبدأ بإدارة اختلافه بعقلانية، واحترام تنوعه، وبناء رؤيته على أسس سياسية رصينة، تمكّنه من الحضور بفاعلية في أي تسوية وطنية قادمة.
فالحوار، في نهاية المطاف، ليس مجرد اجتماع يُعقد، بل اختبار لقدرة الفاعلين على الارتقاء من صراع الإرادات إلى شراكة الرؤية.















