الحديث عن "الخروج من الوحدة" لا يمكن فصله عن طبيعة الوحدة نفسها، ولا عن البيئة التي نشأت فيها، ولا عن التحولات التي مرّ بها اليمن منذ 1990. الوحدة لم تكن نتيجة استفتاء شعبي واسع أو عملية دستورية متدرجة، بل جاءت في سياق لحظة سياسية ضاغطة: جنوب منهك بعد صراعات داخلية وأحداث 1986، وشمال يسعى لتوسيع شرعيته ونفوذه في لحظة إقليمية ودولية متغيرة. تم إعلان الجمهورية اليمنية باتفاق بين قيادتي الشطرين، لكن دون تفكيك جذور عدم الثقة أو بناء ضمانات مؤسسية متينة. لذلك دخل الكيان الجديد وهو يحمل داخله تناقضات غير محسومة.
حرب 1994 كانت نقطة التحول الحاسمة. بانتصار صنعاء عسكريًا ترسخ نمط وحدة بالغلبة لا بالشراكة. ومنذ تلك اللحظة تشكل وعي جنوبي جديد يرى أن العقد الوحدوي الأصلي انكسر، وأن ما تلا الحرب كان إدارة مركزية أقرب إلى الضم وإلحاق منها إلى الاندماج المتكافئ. هذا الشعور تعزز بقضايا الأرض، والإقصاء من الجيش والأمن، وتراجع الدور السياسي للنخب الجنوبية. ومع مرور الوقت تبلور تيار يطالب بالإصلاح داخل الوحدة، وآخر يطالب بفيدرالية واسعة، وثالث يرفع شعار فك الارتباط الكامل.
لكن الخروج من وحدة هشة منذ أكثر من ثلاثة عقود ليس عملية رمزية، بل مشروع إعادة تأسيس دولة. وهذا يطرح عدة مستويات من التعقيد.
أولًا: المستوى القانوني والدستوري. لا يوجد في الدستور اليمني نص يتيح الانفصال، لأن الدستور تم تغييره مرتين بما يتناسب وطبيعة نظام صالح دون وضع أي أهمية أو اعتبار للقوى الجنوبية ما يعني أن أي مسار قانوني يتطلب توافق وطني شامل، أو اتفاقًا سياسيًا جديدًا بين طرفي الكيان. من دون اتفاق، سيُنظر إلى أي إعلان أحادي بوصفه خرقًا للنظام الدستوري القائم. القانون الدولي يعترف بمبدأ تقرير المصير، لكنه يوازن بينه وبين مبدأ وحدة أراضي الدول. الاعتراف الدولي لا يُمنح بناءً على الخطاب السياسي، بل على توافر شروط: وضوح الإرادة الشعبية، وحدة القيادة، استقرار الحدود، قدرة الكيان الجديد على الالتزام بالقانون الدولي وعدم تهديد الاستقرار الإقليمي.
ثانياً: المستوى السياسي الداخلي أكبر معضلة أمام أي مشروع فك ارتباط هو الانقسام الجنوبي نفسه. الجنوب اليوم ليس كتلة سياسية واحدة؛ فيه قوى متعددة، رؤى مختلفة، وحساسيات تاريخية ومناطقية لم تُعالَج جذريًا منذ صراعات ما قبل الوحدة من دون مصالحة جنوبية عميقة تضع سردية مشتركة للماضي وتحدد تصورًا واضحًا للدولة القادمة (نظام حكم، علاقة المركز بالمحافظات، توزيع الثروة، دور الجيش)، فإن أي انفصال قد يعيد إنتاج صراعات داخلية. التجربة التاريخية تقول إن الدول الجديدة تكون أكثر هشاشة إذا لم تُبنَ على عقد اجتماعي متين.
ثالثًا: المستوى الاقتصادي. دولة الجنوب السابقة كانت تعتمد على ميناء عدن، وعلى دعم خارجي، وعلى جهاز دولة مركزي. اليوم تغيرت المعادلات: الاقتصاد اليمني مترابط شمالًا وجنوبًا في التجارة والعملة والبنوك والبنية التحتية. الانفصال يعني إنشاء نظام نقدي ومالي مستقل، إعادة هيكلة الديون، تحديد ملكية الموارد النفطية والغازية، وبناء مؤسسات جمارك ومنافذ وسياسات تجارية مستقلة. أي خلل في هذه العملية قد يؤدي إلى تضخم حاد، اضطراب عملة، أو عزلة اقتصادية. لذلك لا بد من خطة انتقال اقتصادي واضحة تمتد لسنوات، لا مجرد إعلان سياسي.
رابعًا: المستوى الأمني والعسكري.فك الارتباط الناجح يفترض احتكارًا واضحًا للسلاح من قبل سلطة موحدة. وجود تشكيلات متعددة أو ولاءات متباينة يفتح الباب أمام صدامات داخلية أو تدخلات خارجية. كما أن الحدود – البرية والبحرية – تحتاج إلى ترتيبات متفق عليها لتفادي نزاعات لاحقة. التجارب الدولية تظهر أن أخطر لحظات الدول الجديدة تكون في السنوات الأولى حين تتقاطع الطموحات الداخلية مع حسابات الإقليم.
خامسًا: المستوى الإقليمي والدولي. اليمن ليس جزيرة معزولة؛ موقعه في البحر الأحمر وخليج عدن يجعله جزءًا من معادلات أمنية أوسع. أي تغيير في وضع الجنوب سيُقرأ من زاوية توازنات القوى في المنطقة. لذلك فإن أي مشروع خروج يحتاج إلى طمأنة الجوار، وضمان أن الكيان الجديد لن يكون منصة صراع بالوكالة. الاعتراف الدولي عملية سياسية بقدر ما هي قانونية، ويتأثر بمصالح الدول الكبرى والإقليمية.
أمام هذه التعقيدات، تتبلور ثلاثة مسارات نظرية: فك ارتباط تفاوضي باتفاق شامل؛ استفتاء تقرير مصير برعاية دولية ضمن تسوية سياسية أوسع؛ أو فرض أمر واقع يتبعه سعي للاعتراف. المسار الأول هو الأقل كلفة والأكثر استدامة، لكنه يتطلب شريكاً في صنعاء مستعداً للتفاوض. الثاني يحتاج إلى عملية سلام شاملة تضع قضية الجنوب ضمن إطار إعادة تأسيس الدولة اليمنية شمالا وجنوبا الثالث يحمل مخاطر عالية إذا لم يُستكمل سريعاً ببناء مؤسسات قوية وتوافق داخلي.
السؤال الجوهري ليس فقط: كيف نخرج؟ بل: ماذا نريد أن نبني بعد الخروج؟ هل الهدف استعادة دولة ما قبل 1990 بصيغتها القديمة؟ أم تأسيس دولة مدنية حديثة بنظام لا مركزي واسع، يقطع مع إرث الصراعات الفصائلية؟ إذا لم يكن هناك تصور جديد يتجاوز أخطاء الماضي، فإن تغيير الشكل السيادي لن يغير جوهر الأزمة.
من الناحية الواقعية، قد يكون الطريق الأقرب هو المرور بمرحلة انتقالية تعيد صياغة العلاقة بين الشمال والجنوب في إطار تفاوضي شامل ينهي الحرب القائمة ويعيد تعريف شكل الدولة. داخل هذا الإطار يمكن طرح خيار الاستفتاء بعد فترة انتقالية مستقرة، بحيث يُبنى القرار على بيئة هادئة لا على ظرف صراعي. أما القفز المباشر إلى إعلان فك ارتباط في ظل انقسام داخلي وبيئة إقليمية معقدة، فيحمل مخاطر أن يتحول الحلم السياسي إلى عبء تاريخي جديد.
الخروج من الوحدة، إذا كان خيارًا شعبيًا واسعًا، لا يتحقق بالشعار بل ببناء شروطه الموضوعية: وحدة داخلية، مشروع دولة واضح، خطة اقتصادية انتقالية، مؤسسة عسكرية موحدة، وقناة تفاوض أو إطار قانوني معترف به. ما دون ذلك قد يغيّر العنوان السياسي، لكنه لا يضمن الاستقرار ولا يمنع تكرار دورات الصراع التي أوصلت الجنوب – واليمن عمومًا – إلى ما هو عليه اليوم.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي
حرب 1994 كانت نقطة التحول الحاسمة. بانتصار صنعاء عسكريًا ترسخ نمط وحدة بالغلبة لا بالشراكة. ومنذ تلك اللحظة تشكل وعي جنوبي جديد يرى أن العقد الوحدوي الأصلي انكسر، وأن ما تلا الحرب كان إدارة مركزية أقرب إلى الضم وإلحاق منها إلى الاندماج المتكافئ. هذا الشعور تعزز بقضايا الأرض، والإقصاء من الجيش والأمن، وتراجع الدور السياسي للنخب الجنوبية. ومع مرور الوقت تبلور تيار يطالب بالإصلاح داخل الوحدة، وآخر يطالب بفيدرالية واسعة، وثالث يرفع شعار فك الارتباط الكامل.
لكن الخروج من وحدة هشة منذ أكثر من ثلاثة عقود ليس عملية رمزية، بل مشروع إعادة تأسيس دولة. وهذا يطرح عدة مستويات من التعقيد.
أولًا: المستوى القانوني والدستوري. لا يوجد في الدستور اليمني نص يتيح الانفصال، لأن الدستور تم تغييره مرتين بما يتناسب وطبيعة نظام صالح دون وضع أي أهمية أو اعتبار للقوى الجنوبية ما يعني أن أي مسار قانوني يتطلب توافق وطني شامل، أو اتفاقًا سياسيًا جديدًا بين طرفي الكيان. من دون اتفاق، سيُنظر إلى أي إعلان أحادي بوصفه خرقًا للنظام الدستوري القائم. القانون الدولي يعترف بمبدأ تقرير المصير، لكنه يوازن بينه وبين مبدأ وحدة أراضي الدول. الاعتراف الدولي لا يُمنح بناءً على الخطاب السياسي، بل على توافر شروط: وضوح الإرادة الشعبية، وحدة القيادة، استقرار الحدود، قدرة الكيان الجديد على الالتزام بالقانون الدولي وعدم تهديد الاستقرار الإقليمي.
ثانياً: المستوى السياسي الداخلي أكبر معضلة أمام أي مشروع فك ارتباط هو الانقسام الجنوبي نفسه. الجنوب اليوم ليس كتلة سياسية واحدة؛ فيه قوى متعددة، رؤى مختلفة، وحساسيات تاريخية ومناطقية لم تُعالَج جذريًا منذ صراعات ما قبل الوحدة من دون مصالحة جنوبية عميقة تضع سردية مشتركة للماضي وتحدد تصورًا واضحًا للدولة القادمة (نظام حكم، علاقة المركز بالمحافظات، توزيع الثروة، دور الجيش)، فإن أي انفصال قد يعيد إنتاج صراعات داخلية. التجربة التاريخية تقول إن الدول الجديدة تكون أكثر هشاشة إذا لم تُبنَ على عقد اجتماعي متين.
ثالثًا: المستوى الاقتصادي. دولة الجنوب السابقة كانت تعتمد على ميناء عدن، وعلى دعم خارجي، وعلى جهاز دولة مركزي. اليوم تغيرت المعادلات: الاقتصاد اليمني مترابط شمالًا وجنوبًا في التجارة والعملة والبنوك والبنية التحتية. الانفصال يعني إنشاء نظام نقدي ومالي مستقل، إعادة هيكلة الديون، تحديد ملكية الموارد النفطية والغازية، وبناء مؤسسات جمارك ومنافذ وسياسات تجارية مستقلة. أي خلل في هذه العملية قد يؤدي إلى تضخم حاد، اضطراب عملة، أو عزلة اقتصادية. لذلك لا بد من خطة انتقال اقتصادي واضحة تمتد لسنوات، لا مجرد إعلان سياسي.
رابعًا: المستوى الأمني والعسكري.فك الارتباط الناجح يفترض احتكارًا واضحًا للسلاح من قبل سلطة موحدة. وجود تشكيلات متعددة أو ولاءات متباينة يفتح الباب أمام صدامات داخلية أو تدخلات خارجية. كما أن الحدود – البرية والبحرية – تحتاج إلى ترتيبات متفق عليها لتفادي نزاعات لاحقة. التجارب الدولية تظهر أن أخطر لحظات الدول الجديدة تكون في السنوات الأولى حين تتقاطع الطموحات الداخلية مع حسابات الإقليم.
خامسًا: المستوى الإقليمي والدولي. اليمن ليس جزيرة معزولة؛ موقعه في البحر الأحمر وخليج عدن يجعله جزءًا من معادلات أمنية أوسع. أي تغيير في وضع الجنوب سيُقرأ من زاوية توازنات القوى في المنطقة. لذلك فإن أي مشروع خروج يحتاج إلى طمأنة الجوار، وضمان أن الكيان الجديد لن يكون منصة صراع بالوكالة. الاعتراف الدولي عملية سياسية بقدر ما هي قانونية، ويتأثر بمصالح الدول الكبرى والإقليمية.
أمام هذه التعقيدات، تتبلور ثلاثة مسارات نظرية: فك ارتباط تفاوضي باتفاق شامل؛ استفتاء تقرير مصير برعاية دولية ضمن تسوية سياسية أوسع؛ أو فرض أمر واقع يتبعه سعي للاعتراف. المسار الأول هو الأقل كلفة والأكثر استدامة، لكنه يتطلب شريكاً في صنعاء مستعداً للتفاوض. الثاني يحتاج إلى عملية سلام شاملة تضع قضية الجنوب ضمن إطار إعادة تأسيس الدولة اليمنية شمالا وجنوبا الثالث يحمل مخاطر عالية إذا لم يُستكمل سريعاً ببناء مؤسسات قوية وتوافق داخلي.
السؤال الجوهري ليس فقط: كيف نخرج؟ بل: ماذا نريد أن نبني بعد الخروج؟ هل الهدف استعادة دولة ما قبل 1990 بصيغتها القديمة؟ أم تأسيس دولة مدنية حديثة بنظام لا مركزي واسع، يقطع مع إرث الصراعات الفصائلية؟ إذا لم يكن هناك تصور جديد يتجاوز أخطاء الماضي، فإن تغيير الشكل السيادي لن يغير جوهر الأزمة.
من الناحية الواقعية، قد يكون الطريق الأقرب هو المرور بمرحلة انتقالية تعيد صياغة العلاقة بين الشمال والجنوب في إطار تفاوضي شامل ينهي الحرب القائمة ويعيد تعريف شكل الدولة. داخل هذا الإطار يمكن طرح خيار الاستفتاء بعد فترة انتقالية مستقرة، بحيث يُبنى القرار على بيئة هادئة لا على ظرف صراعي. أما القفز المباشر إلى إعلان فك ارتباط في ظل انقسام داخلي وبيئة إقليمية معقدة، فيحمل مخاطر أن يتحول الحلم السياسي إلى عبء تاريخي جديد.
الخروج من الوحدة، إذا كان خيارًا شعبيًا واسعًا، لا يتحقق بالشعار بل ببناء شروطه الموضوعية: وحدة داخلية، مشروع دولة واضح، خطة اقتصادية انتقالية، مؤسسة عسكرية موحدة، وقناة تفاوض أو إطار قانوني معترف به. ما دون ذلك قد يغيّر العنوان السياسي، لكنه لا يضمن الاستقرار ولا يمنع تكرار دورات الصراع التي أوصلت الجنوب – واليمن عمومًا – إلى ما هو عليه اليوم.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي



















