​تشهد المحافظات اليمنية المحررة حالة شحٍّ ملحوظة في العملة الوطنية، ما أثار تساؤلات مشروعة في الأوساط الشعبية والاقتصادية: هل تراجعت الكتلة النقدية؟ أم أن هناك خللًا أعمق في آليات التداول النقدي؟

فمن خلال القراءة المتأنية للمشهد، يتضح أن المشكلة لا تكمن في اختفاء الريال اليمني بقدر ما تتمثل في خروجه الجزئي من الدورة الاقتصادية الفاعلة. فالعملة – وفق المؤشرات المتاحة – لم تتلاشَ، لكنها تحولت من وسيلة تداول نشطة إلى مخزون مكتنز خارج السوق.

ويمكن التوضيح أكثر من خلال سؤال آخر: ماذا حدث فعليًا؟
فالإجابة أنه حين تمكّن البنك المركزي اليمني من تثبيت سعر الصرف لفترة، استقر الدولار نسبيًا، وهدأت المضاربات أمام فعالية اللجنة الوطنية لتنظيم الاستيراد، لكن هذا الاستقرار خلق سلوكًا معاكسًا غير محسوب.

حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن ما بين 20% إلى 30% من السيولة المتداولة في السوق المحلية خرجت تدريجيًا من الدورة النقدية خلال فترة الاستقرار، نتيجة اكتناز واسع لدى كبار التجار وشركات الصرافة.

بمعنى مبسّط: السيولة لم تُسحب إلى الخارج، ولم تتلف، ولم تختفِ، لكنها تحولت إلى «نقد راكد» خارج الدورة النقدية الفعلية، وبالتالي خارج أيدي الناس.

ولتوضيحٍ أكثر، نفترض – بشكل تقريبي – أن الكتلة النقدية المتداولة في المحافظات المحررة تتراوح بين 2 إلى 3 تريليونات ريال، فإن احتجاز 25% فقط يعني أن ما يقارب 500 إلى 750 مليار ريال قد تكون خارج التداول الفعلي. وهذا رقم كافٍ لإحداث شللٍ حقيقي في السيولة.

فشحّ السيولة ليس حالة محايدة؛ لأنه عندما تصبح العملة نادرة:
• ترتفع قوة التفاوض لدى من يمتلك النقد.
• يزيد اعتماد السوق على كبار الصرافين.
• تتسع الفجوة بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي.

ففي ظل توقعات مستقرة، يصبح الاحتفاظ بالنقد أقل مخاطرة، خصوصًا عندما يكون بالإمكان تحويله إلى عملة أجنبية عند الحاجة دون خسائر حادة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الممارسة الفردية إلى سلوك جماعي أدى إلى انخفاض سرعة دوران النقود داخل الاقتصاد.

وهنا تظهر المفارقة: الكتلة النقدية الاسمية لم تتراجع بصورة جوهرية، لكن فعاليتها الاقتصادية انخفضت نتيجة تباطؤ حركتها بين الأفراد والمؤسسات.

اقتصاديًا، لا تُقاس كفاءة النقد بحجمه فقط، بل بسرعة تداوله. فعندما تتباطأ سرعة الدوران، يتقلص الأثر الفعلي للنقود على النشاط الاقتصادي، حتى وإن ظل حجمها الكلي ثابتًا.

وفي وضعنا الحالي، أدى الاكتناز الواسع إلى خلق فجوة سيولة محسوسة لدى الأفراد والقطاعات والمشاريع الصغيرة، بينما بقيت كميات ليست قليلة من الريال خارج التداول. وهذه الحالة تشبه إلى حد بعيد «الركود النقدي الجزئي» الذي يظهر في الاقتصادات الهشة ذات الثقة المحدودة.

وقد يبدو الحل للبعض بديهيًا بضخ سيولة جديدة في السوق، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا. فالضخ المفاجئ قد يغيّر توقعات السوق سريعًا، ويدفع حائزي السيولة المكتنزة إلى إخراجها دفعة واحدة خشية تراجع سعر الصرف.

عندها ينتقل الاقتصاد من حالة شحّ إلى فائض مفاجئ في المعروض النقدي، ما قد يضغط على العملة وينهي الاستقرار في سعر الصرف الذي تحقق بشق الأنفس. ومن هنا تتجلى أهمية إدارة التوقعات، لا مجرد إدارة الكتلة النقدية.

فالمشكلة أعمق من السيولة؛ إذ لا يمكن تجاهل ثلاثة عوامل رئيسية:

الانقسام النقدي على مستوى الدولة، الذي يخلق تشوهًا دائمًا في السوق.

ضعف الجهاز المصرفي مقابل توسع سوق الصرافة.

غياب أدوات فعالة لامتصاص الفائض النقدي أو تحفيز إعادة ضخه.

وفي مثل هذه البيئة، تصبح إدارة السيولة عملية سياسية بقدر ما هي فنية. فحين تختفي السيولة من السوق بينما تظل موجودة في مكان ما، فالمشكلة ليست تقنية فقط، بل هي انعكاس لبنية اقتصادية غير مكتملة وسيادة نقدية منقوصة. إن القرار النقدي هنا لا يتعامل مع الأرقام فقط، بل مع توقعات وسلوكيات ومصالح؛ لأن المعركة اليوم ليست مع الأرقام، بل مع اختلالات الثقة وهيكل النفوذ داخل السوق.

والحل، في تقديري، ليس في التصعيد ولا في الاتهامات، بل في:
• اتفاق غير معلن مع كبار الفاعلين لإعادة ضخ السيولة تدريجيًا.
• تحفيز الإيداع المصرفي عبر أدوات جذابة.
• إدارة شفافة للتوقعات النقدية.
• تقليل الاعتماد على التداول النقدي المباشر (من خلال تطبيق الشمول المالي).

والأهم: إعادة بناء الثقة في المنظومة المالية.

كلمة أخيرة: الريال اليمني لم يختفِ… لكنه محتجز. وأزمة السيولة الحالية ليست قدرًا اقتصاديًا، بل نتيجة تفاعل بين الاستقرار الهش، وسلوك الاكتناز، وضعف البنية المؤسسية.

السؤال الآن ليس: أين الريال؟
بل: هل نملك الشجاعة المؤسسية لإعادته إلى أيدي الناس من دون أن نهز استقرار السوق؟

إن السياسة النقدية في الاقتصادات الهشة لا تُدار بالأدوات الفنية فقط، بل تُدار بالثقة، والتدرج، وفهمٍ عميقٍ لسلوك السوق.

* أستاذ الإدارة المالية المشارك – مساعد نائب رئيس جامعة عدن للشؤون الطلابية