​في اليمن أصبح الحديث عن السياسة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. نتجادل حول تركيبة مجلس القيادة الرئاسي، ونناقش كيف تشكلت الحكومة، ونتابع صراعات القوى السياسية وكأنها شأننا المباشر.

غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الانشغال الواسع بالسياسة يحدث في وقت يعاني فيه المواطن من أبسط مقومات الحياة: مرتبات متأخرة، خدمات شبه معدومة، وكهرباء ومياه لا تكفي لتسيير حياة كريمة.

يتحول المواطن في خضم هذه الأوضاع إلى طرف في صراعات لا يملك التأثير الحقيقي في نتائجها. ينحاز لهذا الفريق أو ذاك، ويدافع عن هذا السياسي أو يهاجم ذاك، بينما يعيش الجميع الظروف نفسها من ضيق العيش وغياب الخدمات.

وفي كثير من الأحيان تتجاوز هذه الخلافات حدود النقاش لتصل إلى القطيعة الاجتماعية والكراهية، حتى كأن المجتمع نفسه يدفع ثمن صراعات لا تخصه.

في المقابل يعيش معظم السياسيين بعيدًا عن هذه المعاناة اليومية. حياتهم تسير في مسارات مختلفة، بينما المواطن العادي يواجه صعوبة في توفير قوت يومه. ومع ذلك يستمر المجتمع في الانخراط في معارك خطابية لا تغيّر من واقعه شيئًا.

ربما حان الوقت لطرح سؤال بسيط لكنه عميق الدلالة: ماذا لو انشغلنا قليلًا بكيفية العيش بدل الانغماس الكامل في صراعات السياسة؟

المجتمعات في الأوقات الصعبة كثيرًا ما تلجأ إلى حلول تضامنية بسيطة لكنها فعّالة. في مدينة ساحلية مثل عدن يمكن لمجموعة صغيرة من الناس أن تتشارك في شراء قارب صيد فيوفرون لأنفسهم مصدر غذاء ويبيعون الفائض لتغطية نفقاتهم. وفي الأحياء يمكن تشكيل مبادرات أهلية لمساعدة الطلاب على مواصلة تعليمهم أو إنشاء جمعيات تعاونية صغيرة لتخفيف أعباء الحياة اليومية.

حتى في مسألة الخدمات يمكن للتعاون الأهلي أن يخفف كثيرًا من المعاناة. فقد يتمكن سكان حي واحد من الاشتراك في شراء مولد كهربائي يخدمهم جميعًا بدلاً من انتظار ساعات الكهرباء القليلة التي تصلهم. ويمكن ليوم واحد من العمل التطوعي في الأسبوع أن يحول الحي إلى بيئة أنظف وأكثر تنظيمًا.

هذه المبادرات لا تعني الاستغناء عن دور الدولة أو إعفاءها من مسؤولياتها، لكنها تعكس حقيقة أن المجتمع الحي لا ينتظر الحلول دائمًا من الأعلى. فحين تتكاتف الجهود وتتحرك روح التضامن يصبح المجتمع قادرًا على تخفيف أزماته بنفسه.

لقد أثبتت تجارب كثيرة في العالم أن الشعوب لا تنهض إلا بالتعاون والتكافل. والمجتمع الذي تسري في عروقه روح المحبة والتضامن يكون أقدر على الصمود في وجه الأزمات. أما المجتمعات التي تستنزف طاقتها في الصراعات الداخلية فإنها تفقد تدريجيًا قدرتها على النهوض.

المواطنة لا تعني فقط انتظار ما تقدمه الدولة من خدمات، بل تعني أيضًا المشاركة في حماية المجتمع وبناء قدرته على الاستمرار. وربما يكون من الحكمة في هذه المرحلة الصعبة أن نترك السياسيين يتصارعون إن شاءوا، لكن دون أن تتحول صراعاتهم إلى صراعات بيننا نحن.

فالمجتمع الذي يعرف كيف يعيش هو المجتمع الذي يستطيع يومًا ما أن يصنع سياسة أفضل أيضًا.