يمثل تاريخ 27 رمضان في الذاكرة الوطنية اليمنية أكثر من مجرد ذكرى عابرة؛ إنه يوم انبعاث مدينة عدن، وإعلان انكسار المشروع الكهنوتي على أسوارها. وفي صلب هذه الملحمة الخالدة، يبرز ميناء عدن بطلاً محورياً لم يكتفِ بدوره الاقتصادي، بل كان القلب النابض الذي ضخ دماء الحياة في عروق المدينة والمقاومة على حد سواء.
لقد أسهم الميناء بفاعلية في دعم صمود المقاومة وتحقيق النصر، متحولاً — ببحارته الشجعان، وعماله المخلصين، وقطعه البحرية — من منشأة مدنية إلى قاعدة عمليات عسكرية ولوجستية متكاملة، وجبهة إسناد متقدمة وفّرت "رئة" التنفس الوحيدة لمدينة خنقها الحصار البري من كل اتجاه.
- هندسة النصر: 45 يوماً من الصمود والجسور البحرية
لم يكن الميناء خلال الحرب مرفقاً خدمياً فحسب، بل شكّل الظهير الاستراتيجي الذي استندت إليه المقاومة.
وقد أدركنا في إدارة الميناء منذ اللحظة الأولى أن بقاء الميناء فاعلاً يعني بقاء عدن صامدة، فسخرنا كل الإمكانيات الفنية والبشرية لتكون تحت تصرف القيادة الميدانية.
- يوم سقوط التواهي والوصية الخالدة
في لحظات فارقة امتزجت فيها المسؤولية بروح التضحية، جرى تنسيق مباشر عكس حجم الثقة بين القيادة العسكرية وإدارة الميناء. وأسهم الميناء في دعم المقاومة بقيادة اللواء الشهيد علي ناصر هادي والقائد أنيس العولي.
وأستذكر بفخر اتصالاً تلقّيته من الشهيد اللواء علي ناصر هادي عبر هاتف الأخ نشوان العوذلي، وكان ذلك آخر تواصل بيننا، قبل استشهاده بنحو 24 ساعة، في يوم سقوط التواهي. طلب الشهيد بصورة عاجلة توفير رافعة (كرين) تابعة للميناء لنقل وتركيب صبيات خرسانية ضخمة لاستخدامها كحواجز دفاعية لسد مداخل التواهي ومنع توغل آليات المليشيات.
- ملحمة الإجلاء الكبرى وفداء "دكة الـ T"
ورغم هول المشهد، واصل بحارة الميناء عمليات الإجلاء البطولية، مسخرين الزوارق واللانشات لنقل آلاف المدنيين من ساحل التواهي إلى البريقة، في واحدة من أنبل ملاحم الفداء الإنساني.
- شريان الحياة تحت الحصار
- إمداد الجبهات والمستشفيات
كما نفذ بحارة الميناء عمليات نوعية بنقل دبابتين وآليات ثقيلة بحراً من البريقة إلى التواهي، في تنسيق فني وعسكري جسّد تكامل الأدوار بين الجبهة المدنية والميدانية.
- شجاعة فنية: الميناء كورشة صمود
في مشهد يعكس الانضباط المهني العالي، أدار عمال الميناء عمليات إجلاء معقدة لرعايا دول وجاليات أجنبية بسلام تام. وعلى الصعيد الداخلي، فُتحت الورش الفنية لصيانة أسلحة المقاومة من مدافع ومدرعات وإعادتها سريعاً إلى مواقع القتال، رغم انقطاع الكهرباء وشح الإمكانيات.
- حراس البوابة الاقتصادية: ملحمة الصمود في "كالتكس"
في محطة حاويات ميناء عدن (كالتكس) بالمنطقة الشمالية، سطر عمال وموظفو الميناء ملحمة استثنائية في النزاهة والشجاعة المهنية. فبينما كانت نيران الحرب تحيط بالمكان، وقفوا كدروع بشرية لحماية أصول الميناء السيادية وحاويات التجار التي تضم المخزون الغذائي والدوائي للمدينة.
ورغم وقوع المنطقة تحت مرمى قناصة المليشيات، رفض العمال مغادرة مواقعهم، معتبرين أن حماية قوت المواطن جزء من معركة الكرامة الوطنية. ولم تمتد يد العبث إلى حاوية واحدة، بل عملوا على تسهيل وتسليم الحاويات للتجار دون مقابل، لضمان وصول المواد الأساسية إلى الأسواق وتعزيز صمود المدينة.
- عبقرية الاستباق وعملية "الغدير" الفدائية
وبفضل هذه الخطوة، وعند إعلان التحرير في 27 رمضان، كانت تلك القطع البحرية نفسها هي التي استقبلت أول باخرة إغاثة "درب الخير" التابعة لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ليعود الميناء فوراً إلى أداء دوره الإنساني والوطني.
- وقفة وفاء واعتذار
وفي استحضار هذه البطولات، أجد لزاماً عليّ أن أقدم اعتذاراً لكل أبطال الميناء والمقاومة الذين لم يتسع المجال لذكر أسمائهم. فذكر بعض المواقف لا يعني حصر البطولة، بل هم رموز لآلاف العمال والمدراء والمرشدين والبحارة والمهندسين والمقاومين الذين قدموا الغالي والنفيس بعيداً عن الأضواء.
- خاتمة















