يُنظر إلى النفط منذ اكتشافه بكميات تجارية على أنه نعمة كبرى ورافعة للتنمية والازدهار، لكنه في الوقت ذاته تحوّل في كثير من مناطق العالم إلى مصدرٍ معقّد للصراعات والتوترات وعدم الاستقرار. فهذه الثروة الطبيعية، التي كان يُفترض أن تكون عامل توحيد وتقدم للبشرية، أصبحت في أحيان كثيرة سببًا مباشرًا أو غير مباشر في إشعال النزاعات، وتأجيج التنافس، وخلق بيئات سياسية واقتصادية هشة.

لقد لعب النفط دورًا محوريًا في تشكيل سياسات الدول وتحالفاتها، حيث سعت قوى إقليمية ودولية للسيطرة على منابع الطاقة أو التأثير في مساراتها. ولم تعد الصراعات تُفهم فقط في إطارها السياسي أو الأيديولوجي، بل بات البعد الاقتصادي، وفي مقدمته النفط، عنصرًا أساسيًا في تفسير كثير من الأزمات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية. وفي هذا السياق، تُطرح أمثلة عديدة يُشار فيها إلى ارتباط الصراع بالمصالح النفطية، سواء عبر السعي للسيطرة على الحقول والموانئ أو من خلال الضغط على الدول الغنية بهذه الموارد.

ويذهب بعض الطرح السياسي إلى ربط أحداث بعينها بهذه المصالح، مثل الحديث عن اختطاف رئيس فنزويلا في سياق الصراع على النفط، أو اعتبار بعض الحروب في المنطقة، ومنها الحرب مع إيران، ذات أبعاد مرتبطة بالطاقة والنفوذ، إضافة إلى ما يُقال عن أطماع اليمن في الجنوب العربي بدوافع اقتصادية ونفطية. وفي مثل هذه الطروحات، يُقدَّم النفط بوصفه عاملًا رئيسيًا في تأجيج التوترات، بل ويُنظر إليه أحيانًا على أنه ثروة تحوّلت إلى كارثة على الإنسانية عندما تُستغل لإشعال النزاعات بدل توظيفها في خدمة الشعوب.

كما أسهم النفط في خلق فجوات داخلية بين مكونات الدولة الواحدة، حيث قد تتحول مناطق الإنتاج إلى بؤر توتر نتيجة الشعور بعدم العدالة في توزيع الثروة، أو نتيجة استحواذ قوى معينة على عائداتها دون غيرها. وهذا ما يؤدي إلى تنامي الاحتقان الاجتماعي، ويفتح الباب أمام صراعات داخلية قد تتخذ أشكالًا متعددة، من احتجاجات شعبية إلى نزاعات ممتدة.

ومن زاوية أخرى، فإن الاعتماد المفرط على النفط جعل العديد من الاقتصادات رهينة لتقلبات أسعاره، ما انعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فعندما تنخفض الأسعار، تتراجع الإيرادات، وتظهر الأزمات، وعندما ترتفع، تتزايد الأطماع والمنافسة، ما يعيد إنتاج دوامة التوتر بشكل مختلف.

ومع ذلك، لا يمكن تحميل النفط وحده مسؤولية كل ما يحدث من صراعات، إذ تبقى طريقة إدارة هذه الثروة هي العامل الحاسم. فالدول التي نجحت في بناء مؤسسات قوية وشفافة استطاعت تحويل النفط إلى نعمة حقيقية تخدم شعوبها، بينما أخفقت دول أخرى في ذلك، فتحوّل النفط فيها إلى ما يشبه “اللعنة” التي تغذي الفساد والصراع.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النفط بحد ذاته، بل في كيفية توظيفه ضمن مشروع وطني عادل يضمن توزيعًا منصفًا للثروة، ويعزز الاستقرار، ويُبعد هذه الموارد عن أن تكون وقودًا للصراعات. فحين تُدار الثروات بعقلانية وعدالة، يمكن أن تكون أساسًا للتنمية والسلام، لا سببًا للانقسام والدمار—even في عالمٍ أثبت مرارًا أن الثروة، إذا أسيء استخدامها، قد تتحول من نعمة إلى نقمة على الإنسانية جمعاء

* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي