لم يعد ممكنًا قراءة الجغرافيا السياسية في منطقتنا بذات الأدوات القديمة، ولا الاستمرار في التعامل مع اليمن والجنوب العربي بوصفهما ملفًا أمنيًّا عابرًا أو عبئًا مؤجلًا. فالمعادلات التي أفرزتها السنوات الماضية، وما تلاها من تحولات إقليمية ودولية متسارعة، كشفت بوضوح أن تجاهل هذا العمق الجغرافي والبشري لم يكن خيارًا استراتيجيًّا صائبًا، بل كان فراغًا تمددت فيه قوى أخرى، لكل منها مشروعها وأجندتها.
لقد أثبت التاريخ القريب أن الفراغ لا يبقى فراغًا، وأن أي مساحة تُترك دون احتواء طبيعي من محيطها تتحول سريعًا إلى ساحة تنافس، وربما صراع. اليمن، بكل ثقله التاريخي والبشري، لم يكن استثناءً من هذه القاعدة. تارة انجذب نحو المعسكرات الدولية، وتارة أخرى أصبح ساحة لتقاطعات إقليمية، وفي كل مرة كان الثابت الوحيد هو غياب رؤية خليجية متكاملة تتعامل معه كامتداد عضوي لا كملف طارئ.
اليوم، ومع انكشاف خطوط التماس الإقليمية، لم تعد المسألة مسألة تعاطف أو دعم إنساني، بل تحولت إلى سؤال استراتيجي مباشر: كيف يمكن بناء منظومة خليجية مستقرة دون إدماج اليمن والجنوب العربي ضمن تصور أمني واقتصادي شامل؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًّا، بل ضرورة وجودية في ظل عالم يعاد تشكيله وفق منطق المصالح الصلبة لا العواطف العابرة.
إن اليمن، بما يمتلكه من موقع جغرافي يتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وبما يحتويه من ثروات طبيعية غير مستثمرة بالشكل الكافي، يمثل في جوهره فرصة استراتيجية أكثر منه عبئًا. النفط والغاز، المعادن المتنوعة، الثروة السمكية، والمخزون المائي الجوفي الممتد من مأرب إلى حضرموت، كلها عناصر تجعل منه رافعة اقتصادية محتملة إذا ما تم إدماجه ضمن منظومة تنموية حقيقية. أما العنصر البشري، فهو عامل قوة لا يقل أهمية، إذ يمكن أن يشكل عمقًا ديموغرافيًّا داعمًا لأي مشروع تكاملي خليجي.
ومن زاوية أكثر براغماتية، فإن التفكير في مدّ شرايين الطاقة الخليجية من اليمن والجنوب العربي عبر سواحل حضرموت أو المهرة أو شبوة، لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل خيار استراتيجي قابل للدراسة والتنفيذ ضمن بيئة مستقرة. مثل هذه المشاريع لا تعني فقط تنويع منافذ تصدير النفط والغاز بعيدًا عن نقاط الاختناق التقليدية، بل تؤسس أيضًا لمصالح مشتركة عميقة تجعل أمن هذه الجغرافيا واستقرارها جزءًا لا يتجزأ من أمن الخليج نفسه. حين تصبح خطوط الطاقة والبنية التحتية ممتدة عبر هذه الأرض، يتحول الارتباط من خطاب سياسي إلى واقع مادي يصعب فصله.
لكن هذه الفرصة لا يمكن أن تتحقق دون مراجعة صريحة للنهج السابق. فالتعامل من منطلق التفوق أو الفوقية، أو اختزال العلاقة في بعدها الأمني فقط، أثبت محدوديته. المطلوب اليوم هو الانتقال من عقلية “إدارة الأزمة” إلى “بناء الشراكة”، ومن ردود الفعل إلى التخطيط الاستباقي. وهذا يتطلب شجاعة سياسية، وجرأة فكرية، واستعدادًا للتنازل عن بعض الهواجس التقليدية لصالح رؤية أوسع وأكثر استدامة.
إن الحديث عن كونفدرالية خليجية موسعة لم يعد فكرة بعيدة المنال، بل أصبح طرحًا يتردد في أوساط النخب الفكرية والسياسية. مثل هذا الإطار يمكن أن يوفر مظلة أمنية جماعية، ويخلق سوقاً اقتصادية أكبر، ويحد من التدخلات الخارجية التي تتغذى على التشرذم والانقسام. إدماج اليمن والجنوب العربي ضمن هذا التصور لا يعني استيعابهما كحالة طارئة، بل الاعتراف بهما كركيزة أساسية في معادلة التوازن الإقليمي.
وفي هذا السياق، ينبغي إدراك أن القوى الدولية لا تتحرك بدوافع إنسانية، بل وفق مصالحها الاستراتيجية البحتة. الولايات المتحدة، كغيرها من القوى الكبرى، تنظر إلى المنطقة من زاوية المصالح، فيما تسعى قوى إقليمية أخرى إلى توسيع نفوذها عبر أدوات أيديولوجية أو عسكرية. وبين هذا وذاك، تبقى دول المنطقة هي المعنية أولاً وأخيراً بحماية أمنها وصياغة مستقبلها.
إن اللحظة الراهنة تمثل مفترق طرق حقيقي. إما الاستمرار في إدارة التحديات بذات الأدوات القديمة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تكرار الأخطاء، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على التكامل، والشراكة، واستثمار الإمكانيات المشتركة. اليمن والجنوب العربي ليسا خارج هذه المعادلة، بل في قلبها.
ولعل في الهدي النبوي ما يلخص هذه الرؤية بعمق رمزي واستراتيجي، حين يُروى عن النبي ﷺ قوله: “إذا ضاقت بكم الأرض فاتجهوا إلى اليمن فهي أرض خير”، وهي ليست مجرد عبارة إيمانية، بل دلالة على مكانة هذه الأرض وقدرتها على أن تكون ملاذًا ومصدرًا للنهوض حين تُحسن قراءتها واستثمارها.
إن المستقبل لا ينتظر المترددين، والجغرافيا لا ترحم من يسيء قراءتها. ومن اليمن والجنوب العربي سيُعاد رسم جزء مهم من توازنات المنطقة، فإما أن يكونا بوابة للاستقرار والتكامل، أو ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي
لقد أثبت التاريخ القريب أن الفراغ لا يبقى فراغًا، وأن أي مساحة تُترك دون احتواء طبيعي من محيطها تتحول سريعًا إلى ساحة تنافس، وربما صراع. اليمن، بكل ثقله التاريخي والبشري، لم يكن استثناءً من هذه القاعدة. تارة انجذب نحو المعسكرات الدولية، وتارة أخرى أصبح ساحة لتقاطعات إقليمية، وفي كل مرة كان الثابت الوحيد هو غياب رؤية خليجية متكاملة تتعامل معه كامتداد عضوي لا كملف طارئ.
اليوم، ومع انكشاف خطوط التماس الإقليمية، لم تعد المسألة مسألة تعاطف أو دعم إنساني، بل تحولت إلى سؤال استراتيجي مباشر: كيف يمكن بناء منظومة خليجية مستقرة دون إدماج اليمن والجنوب العربي ضمن تصور أمني واقتصادي شامل؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًّا، بل ضرورة وجودية في ظل عالم يعاد تشكيله وفق منطق المصالح الصلبة لا العواطف العابرة.
إن اليمن، بما يمتلكه من موقع جغرافي يتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وبما يحتويه من ثروات طبيعية غير مستثمرة بالشكل الكافي، يمثل في جوهره فرصة استراتيجية أكثر منه عبئًا. النفط والغاز، المعادن المتنوعة، الثروة السمكية، والمخزون المائي الجوفي الممتد من مأرب إلى حضرموت، كلها عناصر تجعل منه رافعة اقتصادية محتملة إذا ما تم إدماجه ضمن منظومة تنموية حقيقية. أما العنصر البشري، فهو عامل قوة لا يقل أهمية، إذ يمكن أن يشكل عمقًا ديموغرافيًّا داعمًا لأي مشروع تكاملي خليجي.
ومن زاوية أكثر براغماتية، فإن التفكير في مدّ شرايين الطاقة الخليجية من اليمن والجنوب العربي عبر سواحل حضرموت أو المهرة أو شبوة، لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل خيار استراتيجي قابل للدراسة والتنفيذ ضمن بيئة مستقرة. مثل هذه المشاريع لا تعني فقط تنويع منافذ تصدير النفط والغاز بعيدًا عن نقاط الاختناق التقليدية، بل تؤسس أيضًا لمصالح مشتركة عميقة تجعل أمن هذه الجغرافيا واستقرارها جزءًا لا يتجزأ من أمن الخليج نفسه. حين تصبح خطوط الطاقة والبنية التحتية ممتدة عبر هذه الأرض، يتحول الارتباط من خطاب سياسي إلى واقع مادي يصعب فصله.
لكن هذه الفرصة لا يمكن أن تتحقق دون مراجعة صريحة للنهج السابق. فالتعامل من منطلق التفوق أو الفوقية، أو اختزال العلاقة في بعدها الأمني فقط، أثبت محدوديته. المطلوب اليوم هو الانتقال من عقلية “إدارة الأزمة” إلى “بناء الشراكة”، ومن ردود الفعل إلى التخطيط الاستباقي. وهذا يتطلب شجاعة سياسية، وجرأة فكرية، واستعدادًا للتنازل عن بعض الهواجس التقليدية لصالح رؤية أوسع وأكثر استدامة.
إن الحديث عن كونفدرالية خليجية موسعة لم يعد فكرة بعيدة المنال، بل أصبح طرحًا يتردد في أوساط النخب الفكرية والسياسية. مثل هذا الإطار يمكن أن يوفر مظلة أمنية جماعية، ويخلق سوقاً اقتصادية أكبر، ويحد من التدخلات الخارجية التي تتغذى على التشرذم والانقسام. إدماج اليمن والجنوب العربي ضمن هذا التصور لا يعني استيعابهما كحالة طارئة، بل الاعتراف بهما كركيزة أساسية في معادلة التوازن الإقليمي.
وفي هذا السياق، ينبغي إدراك أن القوى الدولية لا تتحرك بدوافع إنسانية، بل وفق مصالحها الاستراتيجية البحتة. الولايات المتحدة، كغيرها من القوى الكبرى، تنظر إلى المنطقة من زاوية المصالح، فيما تسعى قوى إقليمية أخرى إلى توسيع نفوذها عبر أدوات أيديولوجية أو عسكرية. وبين هذا وذاك، تبقى دول المنطقة هي المعنية أولاً وأخيراً بحماية أمنها وصياغة مستقبلها.
إن اللحظة الراهنة تمثل مفترق طرق حقيقي. إما الاستمرار في إدارة التحديات بذات الأدوات القديمة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تكرار الأخطاء، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على التكامل، والشراكة، واستثمار الإمكانيات المشتركة. اليمن والجنوب العربي ليسا خارج هذه المعادلة، بل في قلبها.
ولعل في الهدي النبوي ما يلخص هذه الرؤية بعمق رمزي واستراتيجي، حين يُروى عن النبي ﷺ قوله: “إذا ضاقت بكم الأرض فاتجهوا إلى اليمن فهي أرض خير”، وهي ليست مجرد عبارة إيمانية، بل دلالة على مكانة هذه الأرض وقدرتها على أن تكون ملاذًا ومصدرًا للنهوض حين تُحسن قراءتها واستثمارها.
إن المستقبل لا ينتظر المترددين، والجغرافيا لا ترحم من يسيء قراءتها. ومن اليمن والجنوب العربي سيُعاد رسم جزء مهم من توازنات المنطقة، فإما أن يكونا بوابة للاستقرار والتكامل، أو ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي















