حين تتوقف الحروب لا تنتهي آثارها، بل تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تعاد صياغة التوازنات وتُختبر صلابة الأفكار التي حكمت الصراع. الحديث عن إيران اليوم ليس مجرد قراءة في بلد خرج من حرب، بل هو استشراف لتحول بنيوي محتمل في طبيعة النظام نفسه؛ نظام تأسس منذ عام 1979 على فكرة “الثورة الدائمة” كما أرساها آية الله الخميني، واستمر عبر عقود في تصدير هذه الثورة كأداة نفوذ وبقاء.
لكن المعادلة التي حكمت إيران طوال 47 عامًا تبدو اليوم أقرب إلى لحظة مراجعة قاسية. فتكلفة التمدد الإقليمي، من حزب الله في لبنان إلى الحشد الشعبي في العراق، مرورًا بـ الحوثيين، لم تعد مجرد أوراق قوة، بل تحولت إلى أعباء استراتيجية في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وتغيرات دولية متسارعة. هنا يبرز احتمال أن تتجه إيران، بقيادة علي خامنئي، نحو إعادة تعريف دورها: من دولة ثورية إلى دولة تقليدية تسعى للاستقرار، حتى لو كان ذلك على حساب شبكات النفوذ التي بنتها.
هذا التحول – إن حدث – لن يكون نتيجة رغبة ذاتية فقط، بل استجابة لحقائق قاسية: اقتصاد منهك، مجتمع شاب يطالب بالحياة لا بالشعارات، ونظام دولي لم يعد يتسامح مع الفاعلين غير الدولتين كما كان في مراحل سابقة. وهنا، فإن التخلي التدريجي عن الحلفاء في المنطقة لن يكون إعلانًا رسميًا، بل عملية صامتة تتجلى في تقليص الدعم، وإعادة ترتيب الأولويات، وترك تلك القوى تواجه مصيرها ضمن توازنات محلية جديدة.
في اليمن، ستكون هذه التحولات أكثر وضوحًا وحدة. فـ الحوثيين الذين استفادوا من الدعم الإيراني سيجدون أنفسهم أمام واقع مختلف، حيث تتراجع القدرة على الحسم العسكري لصالح البحث عن صيغة اندماج قسري داخل بنية حكم في الشمال. هذا الاندماج لن يكون انتصارًا كاملًا ولا هزيمة صريحة، بل حالة وسطية تفرز سلطة هجينة، ضعيفة الفاعلية، محكومة بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة.
في المقابل، يبدو الجنوب – الممتد من عدن إلى حضرموت – مرشحًا لمسار مختلف، خاصة مع صعود قوى سياسية جنوبية حديثة الهمة والتصور كفاعل رئيسي يسعى لبناء كيان سياسي مستقل أو شبه مستقل. هذا المسار لا يخلو من التحديات، لكنه يستند إلى جملة عوامل: إرث الصراع، فشل تجربة الوحدة، وتحولات المزاج الشعبي محليًا وإقليميًا.
ومع ذلك، فإن الرهان على “جنوب مزدهر مقابل خليج متراجع” قد يكون مبالغًا فيه إذا لم يُقرأ بواقعية. صحيح أن الخليج يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية، لكن دول لا تزال تمتلك أدوات قوة مالية ومؤسساتية هائلة. في المقابل، الجنوب – رغم موارده الواعدة – يحتاج إلى بنية دولة حقيقية، لا مجرد لحظة سياسية مواتية. فالتجارب التاريخية تُظهر أن الفراغ لا يُبنى عليه استقرار، وأن الانقسامات الداخلية قد تكون أخطر من أي تهديد خارجي.
أما ما يسمى بـ"الشرعية"، فهي بالفعل في حالة تآكل مستمر، وقد تنتهي ككيان مستقل لتُدمج في ترتيبات سياسية جديدة، ربما في إطار حكومة مشتركة مع الحوثيين، لكن هذه الصيغة – إن تحققت – ستكون انتقالية وهشة، أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى بناء دولة.
في المحصلة، نحن أمام مشهد إقليمي يعاد تشكيله بهدوء: إيران تتراجع خطوة إلى الداخل، أذرعها تعيد التموضع أو تتآكل، واليمن ينقسم واقعيًا إلى مسارات متعددة. غير أن السؤال الحقيقي ليس من سينتصر، بل من يستطيع بناء نموذج قابل للحياة. فالتاريخ لا يكافئ من يربح الحرب فقط، بل من يعرف كيف يدير ما بعدها حسابات جديدة تتشكل على حسابات جديدة كأحد إفرازات الحرب الإيرانية.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering
لكن المعادلة التي حكمت إيران طوال 47 عامًا تبدو اليوم أقرب إلى لحظة مراجعة قاسية. فتكلفة التمدد الإقليمي، من حزب الله في لبنان إلى الحشد الشعبي في العراق، مرورًا بـ الحوثيين، لم تعد مجرد أوراق قوة، بل تحولت إلى أعباء استراتيجية في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وتغيرات دولية متسارعة. هنا يبرز احتمال أن تتجه إيران، بقيادة علي خامنئي، نحو إعادة تعريف دورها: من دولة ثورية إلى دولة تقليدية تسعى للاستقرار، حتى لو كان ذلك على حساب شبكات النفوذ التي بنتها.
هذا التحول – إن حدث – لن يكون نتيجة رغبة ذاتية فقط، بل استجابة لحقائق قاسية: اقتصاد منهك، مجتمع شاب يطالب بالحياة لا بالشعارات، ونظام دولي لم يعد يتسامح مع الفاعلين غير الدولتين كما كان في مراحل سابقة. وهنا، فإن التخلي التدريجي عن الحلفاء في المنطقة لن يكون إعلانًا رسميًا، بل عملية صامتة تتجلى في تقليص الدعم، وإعادة ترتيب الأولويات، وترك تلك القوى تواجه مصيرها ضمن توازنات محلية جديدة.
في اليمن، ستكون هذه التحولات أكثر وضوحًا وحدة. فـ الحوثيين الذين استفادوا من الدعم الإيراني سيجدون أنفسهم أمام واقع مختلف، حيث تتراجع القدرة على الحسم العسكري لصالح البحث عن صيغة اندماج قسري داخل بنية حكم في الشمال. هذا الاندماج لن يكون انتصارًا كاملًا ولا هزيمة صريحة، بل حالة وسطية تفرز سلطة هجينة، ضعيفة الفاعلية، محكومة بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة.
في المقابل، يبدو الجنوب – الممتد من عدن إلى حضرموت – مرشحًا لمسار مختلف، خاصة مع صعود قوى سياسية جنوبية حديثة الهمة والتصور كفاعل رئيسي يسعى لبناء كيان سياسي مستقل أو شبه مستقل. هذا المسار لا يخلو من التحديات، لكنه يستند إلى جملة عوامل: إرث الصراع، فشل تجربة الوحدة، وتحولات المزاج الشعبي محليًا وإقليميًا.
ومع ذلك، فإن الرهان على “جنوب مزدهر مقابل خليج متراجع” قد يكون مبالغًا فيه إذا لم يُقرأ بواقعية. صحيح أن الخليج يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية، لكن دول لا تزال تمتلك أدوات قوة مالية ومؤسساتية هائلة. في المقابل، الجنوب – رغم موارده الواعدة – يحتاج إلى بنية دولة حقيقية، لا مجرد لحظة سياسية مواتية. فالتجارب التاريخية تُظهر أن الفراغ لا يُبنى عليه استقرار، وأن الانقسامات الداخلية قد تكون أخطر من أي تهديد خارجي.
أما ما يسمى بـ"الشرعية"، فهي بالفعل في حالة تآكل مستمر، وقد تنتهي ككيان مستقل لتُدمج في ترتيبات سياسية جديدة، ربما في إطار حكومة مشتركة مع الحوثيين، لكن هذه الصيغة – إن تحققت – ستكون انتقالية وهشة، أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى بناء دولة.
في المحصلة، نحن أمام مشهد إقليمي يعاد تشكيله بهدوء: إيران تتراجع خطوة إلى الداخل، أذرعها تعيد التموضع أو تتآكل، واليمن ينقسم واقعيًا إلى مسارات متعددة. غير أن السؤال الحقيقي ليس من سينتصر، بل من يستطيع بناء نموذج قابل للحياة. فالتاريخ لا يكافئ من يربح الحرب فقط، بل من يعرف كيف يدير ما بعدها حسابات جديدة تتشكل على حسابات جديدة كأحد إفرازات الحرب الإيرانية.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering















