السبت, 06 يونيو 2026
116
الإهداء: إلى الإخوة في مشروع عدن الوطني.
عدن هي فعلًا: كيمياء الروح والجسد، والجغرافيا الوازنة، والتاريخ المؤثر. بدونها تبدو الصورة مشوهة، والحبر مُراقًا في غير مكانه، والكتابة مفككة الحروف.
لا أتصور، مثلًا، أن استقلال الجنوب في نوفمبر 1967م كان سيكون له مذاق أو طعم أو لون أو رائحة دون عدن.
أما الدرس الذي لا يُدرَّس كثيرًا، فهو حجم مشاركة عدن في هذه الثورة؛ فليس بفعل الثوار خارجها وحدهم أمكن للثورة أن تكون ثورة، وللنصر أن يكون انتصارًا.
كانت توليفة الحياة برمتها في عدن تُقرِّر الثورة وتصنع الاستقلال: الطبقة العمالية ونقاباتها، والأحزاب والتنظيمات السياسية، والشباب والشابات، والطلاب ذكورًا وإناثًا، والأندية الرياضية، ومنظمات المجتمع المدني، والصحافة العدنية، وهي الأهم، وقد كانت في عين العاصفة، والشعر والأدب والفن والمسرح والمبارز الاجتماعية... إلخ.
كان رجالات عدن، بمن فيهم الوزراء ورؤساء الحكومات، وأعضاء المجلس التشريعي والبلدية، فاعلين ومؤثرين في الثورة؛ وهو ما لم تُفوِّته بريطانيا هكذا ببساطة، فعاقبت عدن العقاب العسير الذي لا تزال آثاره جارية إلى اليوم.
وعندما يكون جزاء سنمار حاضرًا، تُقصى عدن، المدينة الكوزموبوليتية، عن الحضور المشهدي المؤثر في صياغة الحاضر بعد الاستقلال.
كل ما ذكرناه، ومثله معه، عن مشاركة عدن في الثورة، يُنظر إليه شزرًا، وبتصنيف غير معلن تصبح عدن ربيبةً للإنجليز وثورةً مضادة، ويُفصل مئات الكوادر المؤهلة بجرة قلم، ويُهمَّش الميناء؛ ميناء عدن عالي الكعب، الثاني أو الثالث عالميًا، وتنعق في سمائه الغربان، ويعتلي سنام البعير الريف على حساب المدينة.
كل ذلك سَوْأةُ ما قدمت أيدينا، أو بالأصح أيدي الآباء، ويتوارثه الأبناء وكأنه إرث مقدس.
الآن، ورغم صعوبة ما نمر به من أوضاع غير مسبوقة، وتنال عدن منها ما يفوق الوصف، فإن التفاف أبناء عدن لتأسيس كيانات لهم، سياسية كانت أو اجتماعية، حق مشروع مثلهم مثل غيرهم؛ لتدارس أوضاع مدينتهم وتقديم كوادرهم التي هُمِّشت عقودًا للمشاركة في صنع القرار.
فعدن ليست جزيرة واق الواق الأسطورية، إنها حاضرة معنا، ونحن حاضرون بها، ولا يجوز أن يتوارث الأبناء عن الآباء سَوْأة تهميش عدن.
حان الوقت لأن تأخذ عدن مكانتها إن شئنا العافية للجنوب، وإن أردنا تكرار أخطائنا التي تشبه الجبال في كبرها، فعلينا أن نؤبد الفكرة السيئة:«كل الشعب جبهة قومية»، أو ما شابه هذا الشعار، مما أوصلنا إلى هذه الحالة الضنكى.
وعلى أبناء عدن ألّا يقعوا في فخ أن «تدخل الضحية جلد الجلاد»، وعليهم أن يجعلوا الديمقراطية والتعددية والتنوع، كما كان ديدن عدن قبل الاستقلال، شعارهم في التعاطي مع الآخر، عدنيًا كان أم غير عدني.
فهذه سمة عدن التي احتضنت الإثنيات والقوميات والديانات والملل؛ بها عُرفت، وعليها عاشت، وبها تستمر.
المطلوب تصحيح المسار، وأن تأخذ عدن مكانتها المستحقة؛ فبذلك وحده يمكن أن يستقيم الحاضر ويُبنى المستقبل.