لم يكن موقع مصر في معادلة الأمن القومي العربي يومًا طارئًا أو خاضعًا لمزاج اللحظة، بل هو امتداد لعقيدة راسخة تشكلت عبر عقود من التفاعل مع التحديات الإقليمية، حيث وضعت القاهرة مفهوم الأمن العربي في صدارة أولوياتها، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من أمنها الوطني. هذه الرؤية لم تتغير بتغير الأنظمة أو الظروف، بل ظلت ثابتة منذ مرحلة التأسيس الحديثة للدولة المصرية، حين تم ربط المصير المصري بالمحيط العربي سياسيًّا وأمنيًّا واستراتيجيًّا.
وعندما ننظر إلى المحطات المفصلية في التاريخ العربي الحديث، نجد أن مصر لم تكن مراقبًا من بعيد، بل فاعلًا رئيسيًّا في الدفاع عن النظام الإقليمي العربي. ففي أزمة غزو العراق للكويت، اتخذت القاهرة موقفًا واضحًا وحاسمًا، وشاركت بقواتها ضمن تحالف عسكري دفاعًا عن دولة عربية شقيقة، في خطوة عكست التزامًا عمليًّا وليس نظريًّا بمفهوم الأمن القومي العربي. ولم يكن ذلك استثناءً، بل نموذجًا لسلوك استراتيجي متكرر يؤكد أن مصر ترى في استقرار الخليج جزءًا من استقرارها.
اليوم، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران ودورها في المنطقة، تتعرض المواقف المصرية لتفسيرات متباينة، يذهب بعضها إلى حد اتهام القاهرة بالتراجع أو الحذر الزائد. غير أن هذا التوصيف يغفل عن قراءة أعمق لتعقيدات المشهد الحالي. فمصر لا تتعامل مع ملف إقليمي واحد بمعزل عن بقية التهديدات، بل تنظر إلى الصورة الكاملة، حيث تتداخل عوامل عدة، أبرزها دخول أطراف دولية وإقليمية أخرى على خط الصراع، وفي مقدمتها إسرائيل، بما يضيف بُعدًا شديد الحساسية لأي تحرك.
إن التريث المصري في هذه المرحلة لا يعكس ضعفًا أو تخليًّا عن الالتزامات، بل يعبر عن قراءة استراتيجية واعية لمألات التصعيد، ومحاولة لتجنب الانزلاق إلى سيناريوهات قد تفتح جبهات متعددة في وقت واحد. فصانع القرار في القاهرة يدرك أن أي مواجهة مفتوحة في الخليج قد تتقاطع مع حسابات أخرى أكثر خطورة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية متغيرة، وتوازنات دولية غير مستقرة.
وفي هذا السياق، تظل فكرة “مسافة السكة” حاضرة في العقل الاستراتيجي المصري، لكنها ليست شعارًا عاطفيًّا بقدر ما هي خيار محسوب يخضع لتقدير الموقف وتوقيته. فالتدخل العسكري أو السياسي لا يتم بمعزل عن حسابات دقيقة تتعلق بالكلفة والنتائج والبدائل، وهو ما يفسر حالة التريث الحالية دون أن يعني ذلك غياب الاستعداد.
من جهة أخرى، يبرز تقصير عربي جماعي في تفعيل الأطر المؤسسية التي تم الاتفاق عليها سابقًا، وعلى رأسها اتفاقيات الدفاع المشترك والتنسيق الأمني. فالاتفاقيات التي وُقعت في مراحل سابقة، ومنها ما جاء في سياق قمة دمشق عام 1990، لم تتحول إلى آليات عمل حقيقية قادرة على الاستجابة للأزمات. وهذا الفراغ هو ما يضع عبئًا إضافيًّا على الدول الكبرى في النظام العربي، وفي مقدمتها مصر، ويجعل تحركاتها أكثر تعقيدًا.
إن مطالبة مصر بالتحرك المنفرد دون وجود غطاء عربي مؤسسي فعال، تتجاهل طبيعة العمل الجماعي الذي يفترض أن يحكم قضايا الأمن القومي. فالأمن العربي لا يمكن أن يُدار بردود فعل فردية، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من التنسيق السياسي والعسكري والاقتصادي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن بالشكل المطلوب.
في المقابل، تدرك القاهرة أنها ليست بمنأى عن الاستهداف، وأنها جزء من معادلة إقليمية أكبر، حيث تتقاطع مصالح قوى متعددة تسعى لإعادة تشكيل المنطقة. ومن هنا، فإن الحفاظ على تماسك الدولة المصرية وقدراتها العسكرية والاقتصادية يمثل أولوية لا تقل أهمية عن أي التزام خارجي، بل هو شرط أساسي للقيام بهذا الدور.
*رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering















