قد يبدو في ظاهر المشهد أن الجنوب يقف أمام معضلة سياسية معقدة تتداخل فيها الأبعاد المحلية بالإقليمية والدولية، وأن هذا التشابك قد يشكل عائقًا أمام تحقيق تطلعات شعب الجنوب في الحرية والاستقلال واستعادة دولته بصيغتها الفيدرالية المنشودة. غير أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث تكشف وجهًا آخر أكثر عمقًا؛ إذ إن هذه التحديات ذاتها أسهمت في خلق تراكم استراتيجي مهم داخل الوعي الجنوبي، ودفعت بالنخب إلى مراجعة أدواتها وخياراتها، وإعادة تقييم دقيق لمفاهيم العدو والصديق، بل وإلى بلورة ملامح أكثر وضوحًا للمشاريع المطروحة على مستوى الجنوب واليمن عمومًا.

هذا التراكم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تجربة طويلة من الصراع والتقلبات، جعلت الفاعل الجنوبي أكثر قدرة على فهم طبيعة البيئة المحيطة به، سواء من حيث موازين القوى أو طبيعة المصالح الدولية والإقليمية. ومع التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، خصوصًا في أعقاب انتهاء حرب الخليج وما ستفرزه من إعادة ترتيب للأولويات، تبرز فرصة حقيقية أمام الجنوب لإعادة تموضع قضيته في قلب المشهد، مستفيدًا من هذا الرصيد التراكمي الذي أصبح يشكل قاعدة انطلاق نحو مرحلة أكثر نضجًا وتأثيرًا.

في هذا السياق، لا يمكن إغفال أن صنعاء، هي الأخرى، تخوض عملية مراجعة مشابهة، مدفوعة بذات الخبرة التراكمية وضغوط الواقع. هذا التوازي في إعادة التقييم قد يفتح نافذة لإعادة صياغة العلاقة بين الشمال والجنوب على أسس مختلفة، تتجاوز منطق الصراع الصفري إلى إمكانية البحث عن حلول أكثر واقعية واستدامة، تعكس إرادة الشعبين وتضع حدًّا لحالة الاستنزاف المستمرة. إن أي مسار تفاهم محتمل لن يكون سهلًا أو سريعًا، لكنه لم يعد مستحيلًا في ظل التحولات الجارية، خصوصًا إذا ما توفرت الإرادة السياسية القادرة على التقاط اللحظة التاريخية.

ومن زاوية أخرى، فإن المتغيرات الدولية، وخاصة ما يتعلق بالطاقة والاقتصاد، قد تمنح اليمن عمومًا والجنوب خصوصًا أهمية متزايدة، في ظل الحاجة العالمية لمصادر بديلة ومستقرة من النفط والغاز. هذه المعطيات تضع الجنوب أمام فرصة استراتيجية لتعزيز موقعه، ليس فقط كقضية سياسية، بل كفاعل اقتصادي يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، شريطة أن يتم استثمار هذه الفرصة بعقلانية وبعيدًا عن العشوائية والصراعات الداخلية.

غير أن كل هذه الإمكانيات تظل رهينة بقدرة الجنوب على ترتيب بيته الداخلي. فالاعتماد على الذات لم يعد خياراً بل ضرورة حتمية، تتطلب بناء مؤسسات قوية، وتوحيد الرؤية، وتجاوز حالة التشظي التي تعاني منها بعض النخب. صحيح أن ظواهر التفكيك والتفريخ السياسي قد تبدو مقلقة، لكنها في كثير من الأحيان تعكس حالة حراك طبيعي داخل أي بيئة سياسية في طور التشكل، وغالبًا ما تفرز في النهاية قوى أكثر صلابة وتنظيمًا وقدرة على تمثيل المشروع الحقيقي.

إن ترك المجال لهذا الحراك كي يأخذ مداه قد يكون الخيار الأكثر حكمة، حيث ستبرز تدريجيًّا القوى القادرة على حمل المشروع الجنوبي بوضوح وثبات، بعيدًا عن الضجيج والمصالح الضيقة. هذه القوى، إذا ما أحسنت قراءة اللحظة، يمكن أن تقود مسار فك الارتباط واستعادة الدولة، مع الانفتاح في الوقت ذاته على بناء علاقات متوازنة مع الشمال، بما في ذلك صنعاء، على قاعدة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

في المحصلة، فإن مستقبل الجنوب لا يتحدد فقط بحجم التحديات التي يواجهها، بل بقدرته على تحويل هذه التحديات إلى فرص. والمؤشرات الراهنة، رغم ما يعتريها من فوضى ظاهرية، تحمل في طياتها فرصًا استراتيجية حقيقية. ويبقى الرهان الأساسي على وعي الفاعل الجنوبي، وقدرته على الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن التشتت إلى البناء، ومن اللحظة الراهنة إلى أفق الدولة القادمة.

* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي