> كتب/ نائلة هاشم:

​في بلادي، لا تقاس الأيام بالتقويم، بل بعدد ساعات انقطاع الكهرباء، وبكمية الانتظار أمام أبواب الخدمات، و بالقلق الذي يسكن البيوت قبل أن ينام الناس. 

هناك، حيث تتداخل السياسة بالمعيشة، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أزمات كبيرة، ويصبح "الاستقرار" كلمة ثقيلة المعنى أكثر من كونها واقعا ملموسا.

اليوم، يقف المواطن أمام قائمة طويلة من الأولويات التي لا تقبل التأجيل: كهرباء مستقرة، مياه صالحة، رواتب منتظمة، صحة وتعليم، وأمان يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة. ليست مطالب سياسية بقدر ما هي احتياجات إنسانية أساسية، لكنها أصبحت في كثير من المناطق هدفا بعيد المنال.

ورغم تعقيد المشهد، يظل السؤال حاضرا بإلحاح: هل يمكن تحقيق استقرار حقيقي وطويل الأمد في المحافظات المحررة؟

الإجابة لا تبدو مستحيلة، لكنها مشروطة. فالأمن والخدمات والاقتصاد ليست ملفات منفصلة، بل حلقات مترابطة في سلسلة واحدة. أي خلل في إحداها ينعكس مباشرة على الأخرى، ويعيد إنتاج الأزمة من جديد. فلا كهرباء مستقرة دون إدارة فعالة، ولا اقتصاد يتعافى دون بيئة مستقرة، ولا استقرار سياسي دون مؤسسات موحدة القرار.

في المقابل، لا يمكن إنكار وجود ممكنات حقيقية يمكن البناء عليها موقع جغرافي استراتيجي، وموانئ حيوية، و مجتمع شاب قادر على الإنتاج، إضافة إلى وجود مؤسسات دولة ما تزال قائمة رغم الضعف. لكن هذه الممكنات تظل معطلة ما لم تترجم إلى سياسات واضحة وإدارة شفافة وإرادة إصلاح حقيقية.

غير أن العوائق تبدو ثقيلة ومتشابكة في مقدمتها الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار، والتدهور الاقتصادي الحاد، وتعدد القوى المسلحة، إلى جانب الفساد الإداري وتآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهي عوامل تجعل من فكرة الاستقرار تحديا معقدا، لا مجرد قرار إداري.

وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية هل حان الوقت لإعادة تقييم أداء الحكومة الشرعية؟

التقييم هنا لا يعني الإدانة، بقدر ما يعني قراءة موضوعية للواقع. فهناك ما يمكن تسجيله كنجاحات نسبية، أبرزها الحفاظ على الحد الأدنى من مؤسسات الدولة، واستمرار العلاقات الخارجية، ومحاولة إدارة الوضع في بيئة شديدة التعقيد. لكنها في المقابل تعاني من تعثر واضح في الملفات الخدمية والاقتصادية، وعلى رأسها الكهرباء، وانهيار العملة، وضعف الرقابة، وتشتت القرار الأمني.

إن ما يعيشه الوطن اليوم ليس مجرد أزمة خدمات، بل أزمة إدارة دولة في ظرف استثنائي. وبين الألم اليومي للمواطن، و التجاذب السياسي، تضيع أحيانا بوصلة الأولويات.