> «الأيام» العرب:

شكّل التوصل إلى اتفاق سلام مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب نقطة تحول ليس فقط في مسار العلاقات بين واشنطن وطهران، بل أيضاً في مستقبل شبكة الحلفاء الإقليميين الذين اعتمدت عليهم الجمهورية الإسلامية لعقود بوصفهم إحدى أهم أدوات نفوذها في الشرق الأوسط.

وانتهت الحرب التي بدأت بضربات أميركية وإسرائيلية استهدفت القدرات العسكرية الإيرانية إلى واقع جديد يفرض على ما يعرف بـ"محور المقاومة" الانتقال من مرحلة التوسع وتعظيم النفوذ إلى مرحلة أكثر تعقيدًا عنوانها الأساسي إدارة الخسائر والحفاظ على المكتسبات المتبقية.

وعلى مدى العقدين الماضيين، نجحت إيران في بناء شبكة واسعة من الجماعات الحليفة في لبنان والعراق واليمن وقطاع غزة، مستفيدة من الفراغات الأمنية والصراعات الإقليمية المتلاحقة.

وشكلت هذه الشبكة بالنسبة لطهران خط دفاع متقدماً يسمح لها بالتأثير في التوازنات الإقليمية وممارسة الضغط على خصومها دون الانخراط المباشر في الحروب. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه الاستراتيجية وأظهرت أن النفوذ الذي تراكم على مدى سنوات يمكن أن يتعرض لتحديات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.

ورغم أن الحرب لم تستهدف هذه الجماعات بشكل مباشر في جميع الساحات، فإن تداعياتها طالتها بصورة متفاوتة. فالمواجهة العسكرية جاءت بعد سنوات من الضغوط التي تعرض لها حلفاء إيران، سواء عبر العمليات العسكرية الإسرائيلية أو العقوبات الاقتصادية أو التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة. ولذلك فإن الحرب لم تبدأ عملية التراجع بقدر ما سرعت مسارًا كان قائمًا بالفعل.

وفي قطاع غزة، كانت حركة حماس من أبرز المتضررين من التحولات التي سبقت الحرب. فمنذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبه من حملة عسكرية إسرائيلية واسعة، تعرضت الحركة لخسائر كبيرة على مستوى القيادات والبنية العسكرية.

وعندما اندلعت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، لم تكن حماس في وضع يسمح لها بفتح جبهة واسعة أو لعب دور محوري في المواجهة.

وبذلك بدا أن الحركة انتقلت من موقع الفاعل الإقليمي القادر على التأثير في التوازنات إلى موقع يركز بصورة أكبر على إعادة بناء قدراته والحفاظ على وجوده داخل غزة.

وأما في لبنان، فقد شكلت الحرب اختبارًا قاسيًا لحزب الله الذي لطالما اعتبر أقوى أذرع إيران الإقليمية. فمع دخول الحزب على خط المواجهة دعمًا لطهران، ردت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة النطاق أدت إلى خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة.

وتشير التقديرات إلى مقتل آلاف الأشخاص ونزوح أكثر من مليون لبناني خلال الحرب، فيما تعرضت مناطق واسعة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت لدمار كبير.

ورغم أن الحزب حافظ على قدرته على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة طوال فترة القتال، فإن حجم الكلفة التي تكبدها لبنان جعل الأولوية في المرحلة المقبلة تتجه نحو احتواء التداعيات وإدارة آثار الحرب بدلاً من توسيع نطاق المواجهة.

وفي اليمن، أظهرت جماعة الحوثي قدرة على البقاء والاستمرار، لكنها لم تؤد الدور الذي توقعه كثيرون في بداية الحرب. فالهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر لم تبلغ المستوى الذي كان يمكن أن يغير مسار الصراع أو يفرض ضغوطًا استراتيجية كبيرة على الولايات المتحدة وحلفائها.

ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا لدى الجماعة بأن الانخراط الكامل في حرب إقليمية واسعة قد يهدد المكاسب التي حققتها داخل اليمن خلال السنوات الماضية.

وأما الفصائل المسلحة الحليفة لإيران في العراق، فقد وجدت نفسها أمام معادلة مشابهة. فمن جهة، ما زالت تمتلك نفوذًا سياسيًا وأمنيًا داخل البلاد، لكنها من جهة أخرى تجنبت الانخراط المباشر والواسع في الحرب. ويعكس هذا السلوك إدراكًا بأن أي تصعيد كبير قد يضعها في مواجهة ضغوط داخلية وخارجية يصعب تحملها في الظروف الحالية.

ولا يرتبط هذا التحول فقط بالخسائر العسكرية التي تعرض لها الحلفاء، بل أيضًا بالتغيرات التي أصابت البيئة الاستراتيجية المحيطة بهم. فسقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد عام 2024 حرم إيران من أحد أهم الممرات اللوجستية التي استخدمتها لنقل الأسلحة والمعدات إلى حزب الله في لبنان.

كما أن العقوبات الاقتصادية والأزمات المالية المتفاقمة داخل إيران قلصت قدرة طهران على تمويل حلفائها بالمستويات التي كانت متاحة في السابق.

وإلى جانب ذلك، ألحقت الحرب أضرارًا مباشرة بالقدرات العسكرية الإيرانية نفسها. فقد أعلنت الولايات المتحدة أن جزءًا كبيرًا من ترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية تعرض للتدمير أو التعطيل، كما تراجعت قدرة طهران على إنتاج وتخزين ونقل الأسلحة المتطورة.

الأولويات تبدو مختلفة اليوم عما كانت عليه قبل الحرب. فبدلًا من الحديث عن فتح جبهات جديدة أو توسيع النفوذ الإقليمي، أصبحت الأولوية لدى العديد من هذه القوى تتمثل في إعادة تنظيم الصفوف، وترميم البنى العسكرية، واستيعاب آثار الضربات التي تعرضت لها، والحفاظ على مواقعها داخل ساحاتها المحلية.

وإذا صحت هذه التقديرات، فإن ذلك يعني أن الدعم العسكري الذي شكل لعقود أحد أعمدة العلاقة بين إيران ووكلائها سيصبح أكثر صعوبة وتعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.

لكن الحديث عن الانتقال من التوسع إلى إدارة الخسائر لا يعني بالضرورة انهيار شبكة الحلفاء الإيرانيين. فهذه الجماعات لا تزال تمتلك نفوذًا سياسيًّا وعسكريًّا واجتماعيًا داخل بيئاتها المحلية.

كما أن بعضها تحول خلال السنوات الماضية إلى جزء من المشهد السياسي والمؤسسي في الدول التي ينشط فيها، وهو ما يمنحه قدرة على الصمود حتى في ظل تراجع الدعم الخارجي.

غير أن الأولويات تبدو مختلفة اليوم عما كانت عليه قبل الحرب. فبدلًا من الحديث عن فتح جبهات جديدة أو توسيع النفوذ الإقليمي، أصبحت الأولوية لدى العديد من هذه القوى تتمثل في إعادة تنظيم الصفوف، وترميم البنى العسكرية، واستيعاب آثار الضربات التي تعرضت لها، والحفاظ على مواقعها داخل ساحاتها المحلية.

وبعبارة أخرى، انتقلت هذه الجماعات من مرحلة المبادرة الهجومية إلى مرحلة الدفاع عن المكتسبات.

ويبدو أن اتفاق السلام بين واشنطن وطهران يعزز هذا الاتجاه. فالاتفاق لا يتضمن مؤشرات على رغبة أي من الطرفين في العودة السريعة إلى التصعيد العسكري، كما أن إيران نفسها تبدو معنية بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية والخارجية بعد حرب مكلفة.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح من المرجح أن تتجه الجماعات الحليفة إلى خفض مستوى المواجهة والتركيز على تثبيت مواقعها بدلًا من الانخراط في مغامرات عسكرية جديدة.

ومع ذلك، فإن مستقبل هذه الشبكة سيبقى مرتبطًا بمصير الاتفاق نفسه. فإذا نجحت التفاهمات الجديدة في الصمود، فقد تدخل أذرع إيران مرحلة طويلة من إعادة التموضع والتكيف مع موازين قوى جديدة.

وأما إذا انهار الاتفاق وعادت التوترات إلى التصاعد، فقد تحاول طهران إعادة تفعيل أدواتها الإقليمية واستعادة جزء من النفوذ الذي فقدته.

لكن المؤكد أن الحرب الأخيرة رسمت حدودًا جديدة للقوة الإيرانية في المنطقة. فبعد سنوات من التمدد الإقليمي، يجد حلفاء طهران أنفسهم أمام واقع مختلف تفرضه الخسائر العسكرية والضغوط الاقتصادية والتحولات السياسية.

وفي هذا الواقع الجديد، لم يعد الهدف توسيع النفوذ بقدر ما أصبح الحفاظ على ما تبقى منه، وهو تحول قد يكون أحد أهم النتائج الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب الإقليمية الأخيرة.