> "الأيام" العرب:
في الوقت الذي تتسع فيه دائرة المواجهة بين إيران وخصومها الإقليميين، تبدو السعودية وكأنها اختارت لنفسها مساراً مختلفاً: الرد على الأذرع الإيرانية حين تستهدف أراضيها ومصالحها، مع الإبقاء على باب التواصل والتفاوض مع طهران مفتوحاً. وهذه المعادلة التي قد تبدو للوهلة الأولى متناقضة، تحمل في الواقع قدراً كبيراً من الحسابات الاستراتيجية؛ فالرياض لا تريد تحويل الهجمات التي تنفذها جماعات موالية لإيران إلى ذريعة لحرب سعودية-إيرانية مفتوحة.
خلال الأسابيع الأخيرة، تعرضت السعودية لهجمات من الحوثيين في اليمن، كما واجهت تهديدات وهجمات انطلقت من الأراضي العراقية. وقال مسؤول سعودي إن معلومات استخباراتية أشارت إلى تنسيق بين فصائل عراقية والحوثيين، بإشراف الحرس الثوري الإيراني، للتحضير لهجمات ضد المملكة.
لكن اللافت في المقاربة السعودية أن الرياض لم تترجم هذه الهجمات إلى قرار بمواجهة مباشرة مع إيران، بل ركزت على مصادر التهديد القريبة والمباشرة. ففي العراق، شاركت السعودية الولايات المتحدة في ضربات دقيقة ضد مواقع لفصائل مدعومة من إيران، بينما واصلت في الوقت نفسه دعم المسار الدبلوماسي لخفض التصعيد.
تكمن أهمية هذه المقاربة في أن السعودية تحاول الفصل بين إيران كدولة وبين الجماعات المسلحة التي تتحرك في ساحات عربية مختلفة. فالرياض تستطيع تقديم ضرباتها باعتبارها إجراءات دفاعية تستهدف مصادر هجمات تعرضت لها المملكة، وليس باعتبارها جزءاً من حرب شاملة لإسقاط النفوذ الإيراني.
وهذا الفارق ليس لغوياً فقط، بل له قيمة سياسية وقانونية وإعلامية كبيرة.
فحين تستهدف السعودية موقعاً عسكرياً أو منشأة تستخدمها جماعة مسلحة لإطلاق صواريخ أو مسيرات باتجاه أراضيها، يصبح من الأسهل تسويق العملية دولياً باعتبارها رداً على هجوم محدد. أما توجيه ضربة مباشرة إلى الأراضي الإيرانية، فينقل المواجهة فوراً إلى مستوى مختلف، ويمنح طهران فرصة لتقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي يتعرض لعدوان خارجي.
وتبدو الرياض مدركة لهذه المعادلة؛ لذلك تفضل الرد المحدود والموجه بدلاً من توسيع نطاق الاشتباك.
تملك السعودية أيضاً ورقة مهمة تتمثل في طبيعة الهجمات التي تعرضت لها. فقد تحدثت تقارير عن استهداف منشآت نفطية وبنى تحتية ومواقع داخل المملكة، في وقت حذرت فيه الرياض من هجمات محتملة من الحوثيين وفصائل عراقية موالية لإيران.
ومن هنا تستطيع المملكة بناء سردية سياسية تقوم على أنها لا تبحث عن الحرب، وإنما تدافع عن أراضيها ومصالحها.
هذه السردية تكتسب وزناً أكبر في البيئة الدولية الحالية، لأن الرياض تستطيع أن تقول إنها لم تبدأ المواجهة مع إيران، ولم تستهدف الأراضي الإيرانية، وإنما تعاملت مع مصادر الهجمات التي طالتها.
بل إن السعودية، وفق تقارير حديثة، واصلت إعطاء الأولوية للدبلوماسية رغم تعرضها لهجمات من إيران ووكلائها، في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
السعودية تواصل إعطاء الأولوية للدبلوماسية رغم تعرضها لهجمات من إيران ووكلائها، في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
فإذا تحولت المواجهة إلى حرب سعودية-إيرانية معلنة، سيكون بإمكان طهران تقديم المعركة باعتبارها مواجهة مباشرة مع دولة إقليمية، وربما تعبئة حلفائها تحت شعار الدفاع عن إيران. أما عندما تظل الضربات السعودية محصورة في مواقع الفصائل التي تهاجم المملكة، فإن هامش الحركة الإيرانية يصبح أكثر ضيقاً.
وتصبح طهران أمام معضلة: هل تدخل عسكرياً دفاعاً عن جماعات مسلحة، أم تكتفي بالرد السياسي والإعلامي؟
وهنا تحديداً تعمل الرياض على فصل الوكيل عن الدولة؛ أي التعامل مع التهديد حيث يظهر، من دون منح إيران فرصة لتحويله إلى حرب مباشرة.
المفارقة الأهم أن السعودية لا ترى بالضرورة تناقضاً بين استخدام القوة المحدودة والدبلوماسية.
ففي اليمن، استمرت الرياض في استخدام قنوات الوساطة العمانية مع الحوثيين، حتى مع استعدادها لخيارات عسكرية إذا فشلت الدبلوماسية.
وهذا يكشف أن الهدف السعودي ليس بالضرورة تدمير كل أدوات إيران في المنطقة، وإنما وقف قدرتها على تهديد المملكة، مع ترك المجال مفتوحاً أمام تسويات سياسية.
وبذلك تتحول الضربات إلى أداة ضغط، فيما يبقى التفاوض أداة لمنع تحول الضغط إلى حرب.
ولا يبدو أن السعودية تريد الدخول في سباق تصعيد مع إيران في وقت تعاني فيه المنطقة أصلاً من تعدد جبهات المواجهة. ولذلك تراهن الرياض على استراتيجية مزدوجة: رفع كلفة الهجمات على المملكة، مع خفض كلفة المواجهة السياسية مع طهران.
وتعزز المملكة في الوقت نفسه قدراتها الدفاعية وتحالفاتها الإقليمية، من خلال اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، إلى جانب الدفع نحو ترتيبات أمنية بحرية في البحر الأحمر.
في المحصلة، لا تضرب السعودية وكلاء إيران لأنها قررت الحرب على إيران، بل ربما تفعل العكس تماماً: تضرب الوكلاء حتى لا تضطر إلى ضرب إيران.
ويقول خبراء إن ما تقوم به السعودية محاولة لرسم خط فاصل بين الردع والحرب، وبين الدفاع عن النفس والتصعيد الإقليمي. فإذا نجحت الرياض في الحفاظ على هذا الخط، فإنها تستطيع إضعاف قدرة الأذرع الإيرانية على تهديدها، من دون أن تمنح طهران السبب الذي تحتاجه لفتح مواجهة مباشرة معها.
وهذه قد تكون جوهر الاستراتيجية السعودية الحالية: الرد على السلاح بالسلاح عندما يقترب من أراضيها، والتفاوض مع الدولة التي تقف خلف شبكة النفوذ عندما يكون التفاوض أقل كلفة من الحرب.
خلال الأسابيع الأخيرة، تعرضت السعودية لهجمات من الحوثيين في اليمن، كما واجهت تهديدات وهجمات انطلقت من الأراضي العراقية. وقال مسؤول سعودي إن معلومات استخباراتية أشارت إلى تنسيق بين فصائل عراقية والحوثيين، بإشراف الحرس الثوري الإيراني، للتحضير لهجمات ضد المملكة.
لكن اللافت في المقاربة السعودية أن الرياض لم تترجم هذه الهجمات إلى قرار بمواجهة مباشرة مع إيران، بل ركزت على مصادر التهديد القريبة والمباشرة. ففي العراق، شاركت السعودية الولايات المتحدة في ضربات دقيقة ضد مواقع لفصائل مدعومة من إيران، بينما واصلت في الوقت نفسه دعم المسار الدبلوماسي لخفض التصعيد.
تكمن أهمية هذه المقاربة في أن السعودية تحاول الفصل بين إيران كدولة وبين الجماعات المسلحة التي تتحرك في ساحات عربية مختلفة. فالرياض تستطيع تقديم ضرباتها باعتبارها إجراءات دفاعية تستهدف مصادر هجمات تعرضت لها المملكة، وليس باعتبارها جزءاً من حرب شاملة لإسقاط النفوذ الإيراني.
وهذا الفارق ليس لغوياً فقط، بل له قيمة سياسية وقانونية وإعلامية كبيرة.
فحين تستهدف السعودية موقعاً عسكرياً أو منشأة تستخدمها جماعة مسلحة لإطلاق صواريخ أو مسيرات باتجاه أراضيها، يصبح من الأسهل تسويق العملية دولياً باعتبارها رداً على هجوم محدد. أما توجيه ضربة مباشرة إلى الأراضي الإيرانية، فينقل المواجهة فوراً إلى مستوى مختلف، ويمنح طهران فرصة لتقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي يتعرض لعدوان خارجي.
وتبدو الرياض مدركة لهذه المعادلة؛ لذلك تفضل الرد المحدود والموجه بدلاً من توسيع نطاق الاشتباك.
تملك السعودية أيضاً ورقة مهمة تتمثل في طبيعة الهجمات التي تعرضت لها. فقد تحدثت تقارير عن استهداف منشآت نفطية وبنى تحتية ومواقع داخل المملكة، في وقت حذرت فيه الرياض من هجمات محتملة من الحوثيين وفصائل عراقية موالية لإيران.
ومن هنا تستطيع المملكة بناء سردية سياسية تقوم على أنها لا تبحث عن الحرب، وإنما تدافع عن أراضيها ومصالحها.
هذه السردية تكتسب وزناً أكبر في البيئة الدولية الحالية، لأن الرياض تستطيع أن تقول إنها لم تبدأ المواجهة مع إيران، ولم تستهدف الأراضي الإيرانية، وإنما تعاملت مع مصادر الهجمات التي طالتها.
بل إن السعودية، وفق تقارير حديثة، واصلت إعطاء الأولوية للدبلوماسية رغم تعرضها لهجمات من إيران ووكلائها، في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
السعودية تواصل إعطاء الأولوية للدبلوماسية رغم تعرضها لهجمات من إيران ووكلائها، في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
- لماذا لا تريد الرياض إعطاء إيران «الضربة التي تبحث عنها»؟
فإذا تحولت المواجهة إلى حرب سعودية-إيرانية معلنة، سيكون بإمكان طهران تقديم المعركة باعتبارها مواجهة مباشرة مع دولة إقليمية، وربما تعبئة حلفائها تحت شعار الدفاع عن إيران. أما عندما تظل الضربات السعودية محصورة في مواقع الفصائل التي تهاجم المملكة، فإن هامش الحركة الإيرانية يصبح أكثر ضيقاً.
وتصبح طهران أمام معضلة: هل تدخل عسكرياً دفاعاً عن جماعات مسلحة، أم تكتفي بالرد السياسي والإعلامي؟
وهنا تحديداً تعمل الرياض على فصل الوكيل عن الدولة؛ أي التعامل مع التهديد حيث يظهر، من دون منح إيران فرصة لتحويله إلى حرب مباشرة.
المفارقة الأهم أن السعودية لا ترى بالضرورة تناقضاً بين استخدام القوة المحدودة والدبلوماسية.
ففي اليمن، استمرت الرياض في استخدام قنوات الوساطة العمانية مع الحوثيين، حتى مع استعدادها لخيارات عسكرية إذا فشلت الدبلوماسية.
وهذا يكشف أن الهدف السعودي ليس بالضرورة تدمير كل أدوات إيران في المنطقة، وإنما وقف قدرتها على تهديد المملكة، مع ترك المجال مفتوحاً أمام تسويات سياسية.
وبذلك تتحول الضربات إلى أداة ضغط، فيما يبقى التفاوض أداة لمنع تحول الضغط إلى حرب.
ولا يبدو أن السعودية تريد الدخول في سباق تصعيد مع إيران في وقت تعاني فيه المنطقة أصلاً من تعدد جبهات المواجهة. ولذلك تراهن الرياض على استراتيجية مزدوجة: رفع كلفة الهجمات على المملكة، مع خفض كلفة المواجهة السياسية مع طهران.
وتعزز المملكة في الوقت نفسه قدراتها الدفاعية وتحالفاتها الإقليمية، من خلال اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، إلى جانب الدفع نحو ترتيبات أمنية بحرية في البحر الأحمر.
في المحصلة، لا تضرب السعودية وكلاء إيران لأنها قررت الحرب على إيران، بل ربما تفعل العكس تماماً: تضرب الوكلاء حتى لا تضطر إلى ضرب إيران.
ويقول خبراء إن ما تقوم به السعودية محاولة لرسم خط فاصل بين الردع والحرب، وبين الدفاع عن النفس والتصعيد الإقليمي. فإذا نجحت الرياض في الحفاظ على هذا الخط، فإنها تستطيع إضعاف قدرة الأذرع الإيرانية على تهديدها، من دون أن تمنح طهران السبب الذي تحتاجه لفتح مواجهة مباشرة معها.
وهذه قد تكون جوهر الاستراتيجية السعودية الحالية: الرد على السلاح بالسلاح عندما يقترب من أراضيها، والتفاوض مع الدولة التي تقف خلف شبكة النفوذ عندما يكون التفاوض أقل كلفة من الحرب.










