قادني نقاش عابر مع زميلة دراسة من أيام الجامعة، صادف أنها من مدينتي الحبيبة عدن، ومن مديرية صيرة تحديدًا، إلى رحلة طويلة في الذاكرة. بدأ الحديث بأسماء الشوارع المعروفة في كريتر، ثم امتد إلى المدارس الابتدائية والثانوية، وإلى تفاصيل صغيرة ربما لا تبدو مهمة لمن لم يعشها، لكنها بالنسبة إلينا كانت جزءًا من هوية كاملة: طريق الصباح إلى المدرسة، ووجوه الجيران، ومقهى الشاي المعروف، والنداءات التي كانت تعبر الأزقة بلا حواجز ولا تحفظات.
لم يكن حديثنا مجرد استعادة لأسماء أو أماكن، بل كان محاولة لاسترجاع شعور؛ شعور البساطة التي لم تكن تعني الفقر، بل تعني القرب بين الناس. وشعور المحبة المتبادلة التي لم تكن شعارات تُرفع، بل سلوكًا يوميًا يظهر في السؤال عن الجار، وفي مساعدة الغريب، واحترام الكبير، والفرح بنجاح أبناء المجتمع جميعًا.
كلما تعمقنا في الحديث، وجدت نفسي أمام سؤال محزن: ما الذي تغيّر؟ لماذا أصبح الحاضر مثقلًا بهذا القدر من القلق والتعب؟ ولماذا صار اللون الرمادي يطغى على تفاصيل الحياة، حتى في مدينة عُرفت بألوانها البحرية، ووجوهها المتنوعة، وروحها المنفتحة؟
ربما لا توجد إجابة واحدة. فالظروف الاقتصادية الصعبة، وتراجع الخدمات، والاضطراب العام، وضغط الحياة اليومية، كلها عوامل تركت آثارها في الناس. لكن الأخطر من كل ذلك هو أن يصل التعب إلى الروح قبل أن يصل إلى الجسد؛ أن يفقد الإنسان ثقته بأن صوته يمكن أن يُسمع، وأن جهده يمكن أن يحدث فرقًا، وأن الغد قد يحمل ما هو أفضل من اليوم.
مع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الحنين إلى الماضي إلى باب للهروب من الحاضر. فالماضي لا يعود كما كان، والمدينة لا تُبنى بالأسى على ما فقدناه، بل بالوعي بما يمكن إنقاذه وصناعته من جديد. إن أجمل ما في الذكريات أنها تذكرنا بأننا قادرون على الحياة بصورة أفضل، لا لأنها كانت مثالية، بل لأن الناس يومها امتلكوا قدرًا أكبر من التماسك والثقة المتبادلة.
ما نحتاج إليه اليوم ليس انتظار الحلول من جهة واحدة فقط. فالفرد يستطيع أن يبدأ من سلوكه اليومي: احترام الآخرين، وعدم الاستسلام لخطاب الكراهية، ومساعدة من يستطيع مساعدته، والمحافظة على المكان العام كما يحافظ على بيته. والمؤسسات مطالبة بأن تضع الإنسان في قلب عملها، وأن تتعامل مع المواطنين بكرامة وعدالة وشفافية. أما المجتمع، فعليه أن يعيد الاعتبار للحوار الهادئ، وللاختلاف الذي لا يفسد المحبة، وللتعاون الذي يقدّم المصلحة العامة على المكاسب الضيقة.
ولعل البداية الحقيقية لاستعادة هذه الروح لا تكون دائماً بمشروعات كبيرة أو قرارات بعيدة عن الناس، بل بمساحات صغيرة نجتمع فيها من جديد: مدرسة تعلّم طلابها قيمة الخدمة والتعاون، وحيّ ينظم أبناؤه مبادرة للنظافة أو التشجير، ومؤسسة تستمع إلى المواطنين باحترام، وشباب يختارون أن يكونوا جسورًا بين الناس بدلًا من أن يكونوا أسرى الانقسام. فكل عمل صادق، مهما بدا بسيطًا، يزرع قدرًا من الثقة، والثقة هي الأساس الذي يمكن أن تنهض عليه المدن وتستعيد به المجتمعات عافيتها.
كما أن استعادة روح المدينة تحتاج إلى أن ننظر إلى أبنائنا لا بوصفهم متلقين للمشكلات، بل شركاء في الحل. فالشباب الذين يحملون اليوم أعباء القلق وضيق الفرص، يملكون أيضًا طاقة قادرة على التجديد متى ما وجدوا من يثق بهم ويفتح أمامهم مساحة للعمل والتعبير. وحين يشعر الطفل في مدرسته، والشاب في حيه، والموظف في مؤسسته، أن كرامته محفوظة وأن رأيه له قيمة، يصبح الانتماء فعلًا حيًّا لا مجرد كلمة نتغنى بها في المناسبات.
عدن ليست مجرد مبانٍ وشوارع وأسماء محفوظة في الذاكرة. عدن روح تشكلت عبر أجيال من التنوع والتعايش والعمل. وحين نتذكر كريتر أو بقية مديريات عدن، ومدارسنا وأحياءنا القديمة، فإننا لا نبكي زمنًا مضى، بل نستدعي مسؤولية مشتركة: أن نمنح أبناءنا محافظة يشعرون فيها بالأمان والانتماء والأمل.
قد لا نملك تغيير كل الظروف دفعة واحدة، لكننا نملك أن نرفض أن يكون الرمادي لون المستقبل. ومن ذاكرة صغيرة بدأت بأسماء شوارع كريتر، قد يبدأ سؤال أعمق: كيف نعيد إلى محافظتنا ما تستحقه من حياة؟
لم يكن حديثنا مجرد استعادة لأسماء أو أماكن، بل كان محاولة لاسترجاع شعور؛ شعور البساطة التي لم تكن تعني الفقر، بل تعني القرب بين الناس. وشعور المحبة المتبادلة التي لم تكن شعارات تُرفع، بل سلوكًا يوميًا يظهر في السؤال عن الجار، وفي مساعدة الغريب، واحترام الكبير، والفرح بنجاح أبناء المجتمع جميعًا.
كلما تعمقنا في الحديث، وجدت نفسي أمام سؤال محزن: ما الذي تغيّر؟ لماذا أصبح الحاضر مثقلًا بهذا القدر من القلق والتعب؟ ولماذا صار اللون الرمادي يطغى على تفاصيل الحياة، حتى في مدينة عُرفت بألوانها البحرية، ووجوهها المتنوعة، وروحها المنفتحة؟
ربما لا توجد إجابة واحدة. فالظروف الاقتصادية الصعبة، وتراجع الخدمات، والاضطراب العام، وضغط الحياة اليومية، كلها عوامل تركت آثارها في الناس. لكن الأخطر من كل ذلك هو أن يصل التعب إلى الروح قبل أن يصل إلى الجسد؛ أن يفقد الإنسان ثقته بأن صوته يمكن أن يُسمع، وأن جهده يمكن أن يحدث فرقًا، وأن الغد قد يحمل ما هو أفضل من اليوم.
مع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الحنين إلى الماضي إلى باب للهروب من الحاضر. فالماضي لا يعود كما كان، والمدينة لا تُبنى بالأسى على ما فقدناه، بل بالوعي بما يمكن إنقاذه وصناعته من جديد. إن أجمل ما في الذكريات أنها تذكرنا بأننا قادرون على الحياة بصورة أفضل، لا لأنها كانت مثالية، بل لأن الناس يومها امتلكوا قدرًا أكبر من التماسك والثقة المتبادلة.
ما نحتاج إليه اليوم ليس انتظار الحلول من جهة واحدة فقط. فالفرد يستطيع أن يبدأ من سلوكه اليومي: احترام الآخرين، وعدم الاستسلام لخطاب الكراهية، ومساعدة من يستطيع مساعدته، والمحافظة على المكان العام كما يحافظ على بيته. والمؤسسات مطالبة بأن تضع الإنسان في قلب عملها، وأن تتعامل مع المواطنين بكرامة وعدالة وشفافية. أما المجتمع، فعليه أن يعيد الاعتبار للحوار الهادئ، وللاختلاف الذي لا يفسد المحبة، وللتعاون الذي يقدّم المصلحة العامة على المكاسب الضيقة.
ولعل البداية الحقيقية لاستعادة هذه الروح لا تكون دائماً بمشروعات كبيرة أو قرارات بعيدة عن الناس، بل بمساحات صغيرة نجتمع فيها من جديد: مدرسة تعلّم طلابها قيمة الخدمة والتعاون، وحيّ ينظم أبناؤه مبادرة للنظافة أو التشجير، ومؤسسة تستمع إلى المواطنين باحترام، وشباب يختارون أن يكونوا جسورًا بين الناس بدلًا من أن يكونوا أسرى الانقسام. فكل عمل صادق، مهما بدا بسيطًا، يزرع قدرًا من الثقة، والثقة هي الأساس الذي يمكن أن تنهض عليه المدن وتستعيد به المجتمعات عافيتها.
كما أن استعادة روح المدينة تحتاج إلى أن ننظر إلى أبنائنا لا بوصفهم متلقين للمشكلات، بل شركاء في الحل. فالشباب الذين يحملون اليوم أعباء القلق وضيق الفرص، يملكون أيضًا طاقة قادرة على التجديد متى ما وجدوا من يثق بهم ويفتح أمامهم مساحة للعمل والتعبير. وحين يشعر الطفل في مدرسته، والشاب في حيه، والموظف في مؤسسته، أن كرامته محفوظة وأن رأيه له قيمة، يصبح الانتماء فعلًا حيًّا لا مجرد كلمة نتغنى بها في المناسبات.
عدن ليست مجرد مبانٍ وشوارع وأسماء محفوظة في الذاكرة. عدن روح تشكلت عبر أجيال من التنوع والتعايش والعمل. وحين نتذكر كريتر أو بقية مديريات عدن، ومدارسنا وأحياءنا القديمة، فإننا لا نبكي زمنًا مضى، بل نستدعي مسؤولية مشتركة: أن نمنح أبناءنا محافظة يشعرون فيها بالأمان والانتماء والأمل.
قد لا نملك تغيير كل الظروف دفعة واحدة، لكننا نملك أن نرفض أن يكون الرمادي لون المستقبل. ومن ذاكرة صغيرة بدأت بأسماء شوارع كريتر، قد يبدأ سؤال أعمق: كيف نعيد إلى محافظتنا ما تستحقه من حياة؟



















