> «الأيام» أبوبكر محمد:
تتزايد المخاوف من التداعيات الكارثية لظاهرة النينيو المتطرفة، التي باتت تهدد العديد دول العالم، ورغم أنها تتشكل بعيدًا عن شبه الجزيرة العربية، إلا أن قدرتها على تغيير أنماط الطقس عالميًا تفرض تهديدات مباشرة على قطاع الزراعة والأمن الغذائي في اليمن.

وكانت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية «WMO» حذرت من العودة الوشيكة للظاهرة وما تصاحبها من قفزات قياسية في درجات الحرارة؛ إذ أكدت أن احتمالية تشكل هذا النمط الجوي العنيف تبلغ 80 % قبل سبتمبر المقبل، وترتفع لتصل إلى 90 % قبل حلول نوفمبر.
وأكد تقرير لصحيفة «The Guardian» البريطانية أن قارة آسيا ستكون في مقدمة المناطق المتضررة حيث سيتسبب الجفاف المتزايد والحرارة المتصاعدة في فرض ضغوط هائلة على ثلاثة قطاعات حيوية مترابطة، هي: الزراعة، وشبكات الطاقة، وإمدادات المياه.
- هل توثر "النينيو" في اليمن؟
تنشأ ظاهرة النينيو في شرق ووسط المحيط الهادئ الاستوائي قبالة سواحل البيرو والإكوادور، ليتمركز تأثيرها المباشر في حوض المحيط الهادئ والأمريكتين وأجزاء من آسيا وأوقيانوسيا، إذ يرى خبراء المناخ أن تأثير الظاهرة على اليمن وشبه الجزيرة العربية يظل محدوداً وغير مباشر، لوقوع المنطقة خارج نطاق التأثيرات الحيوية للظاهرة.

يقول أستاذ المناخ والتغيرات البيئية بجامعة صنعاء حاجب الحاجبي، أن تأثير النينيو على مناخ اليمن يتدرج بين الضعيف والمحدود، ويظهر فقط عبر تغيرات طفيفة في أنماط دوران الغلاف الجوي العالمية دون صيغة ثابتة أو متكررة.
وأوضح الحاجبي أن مناخ اليمن يتأثر بصورة أكبر بعوامل إقليمية ومحلية لعل أبرزها تذبذب الرياح الموسمية، ودرجات حرارة سطح البحر في البحر العربي وخليج عدن والبحر الأحمر، بالإضافة إلى تضاريس البلاد الجبلية المعقدة؛ مما يعني أن حدوث النينيو لا ينذر بالضرورة بتغيرات مناخية استثنائية.
وحول موجات الحر الأخيرة التي شهدتها اليمن، أشار الحاجبي إلى أنه لا يمكن إرجاعها إلى النينيو وحدها؛ بل إن المحرك الأساسي هو الاحترار العالمي الناتج عن التغير المناخي، لافتاً إلى أن تزامن الظاهرة مع هذا الاحترار يضيف قفزات حرارية محدودة مؤقتة.
من الممكن أن تساهم النينيو في تعديل احتمالات توزيع وكميات الأمطار الموسمية، مما قد يؤثر سلبًا على القطاع الزراعي في حال تأخر الأمطار وتراجع رطوبة التربة، أو تركّز الهطول المطري في فترات قصيرة مسببًا السيول وانجراف التربة وإتلاف المحاصيل المعتمدة على الأمطار، بحسب الحاجبي.

في الصين و الهند يكمن القلق الأساسي، في أن ظاهرة النينيو قد تزيد من حدة الظروف الحارة وتُضعف الرياح الموسمية المنتظرة في يونيو؛ حيث يُتوقع أن تجلب أمطارًا أقل من المعدل السنوي. وإذا تسببت الظاهرة في تأخير هذا الموسم المطري، فإن موجات الحر الشديدة ستستمر لفترة أطول، مما يهدد بوقوع آلاف الوفيات وتضرر سبل العيش، لا سيما لدى المزارعين.
و ألحقت موجة الحر في مايو أضرارًا بالغة بمحاصيلهما الاستراتيجية مثل القمح والخردل، وسط مخاوف من أن يؤدي الجفاف إلى أزمة أمن غذائي حادة، فضلًا عن تهديد مدن كبرى مثل مومباي، التي باتت بحيراتها السبع المغذية لـ 22 مليون نسمة لا تكفي سوى لـ 45 يوماً فقط.
كما تواجه الصين سيناريو مغايرًا يتأرجح بين الفيضانات والجفاف، وهي ظواهر تفاقمت مع أزمة المناخ لتشكل ضغطاً خانقاً على شبكات الطاقة الكهربائية.
وتتوقع الأرصاد الجوية أن تكون التحديات هذا العام أكبر مع دخول النينيو خط الأزمة، حيث تشير التقديرات إلى أن آثار الظاهرة ستبلغ ذروتها في فصلي الخريف والشتاء، مسببةً ارتفاعًا عامًا في درجات الحرارة بكافة أنحاء البلاد، مقابل زيادة حادة في هطول الأمطار بالمناطق الجنوبية.
وبحسب وكالة «شينخوا» يُتوقع أن يرتفع معدل هطول الأمطار في بعض المناطق الصينية بنسبة 20 % عن المتوسط العام، مما دفع السلطات إلى إصدار تحذيرات جوية مشددة من عواصف مطرية عاتية استباقًا لذروة الظاهرة. وأشارت أن وضع مكافحة الفيضانات في البلاد بات خطيرًا ومعقدًا للغاية.
- جنوب شرق آسيا
تُواجه منطقة جنوب شرق آسيا تهديدات ومخاطر متزايدة جراء ظاهرة النينيو، والتي تُنذر بموجات حر طويلة، وجفاف حاد، وحرائق غابات، فضلاً عن تلوث الهواء، بحسب ما أكده البروفيسور جاستن سنتيان، أستاذ تغير المناخ في جامعة ماليزيا.

وأوضح جاستن أن الظاهرة تنشأ نتيجة ضعف أو انعكاس الرياح القوية التي تدفع عادةً المياه السطحية الدافئة نحو غرب المحيط الهادئ لتوليد الأمطار، مما يؤدي إلى تحرك المياه شرقاً، ويُجرّد دولاً كماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وتايلاند والفلبين من الرطوبة الجوية الضرورية، تاركاً المنطقة عرضة لارتفاع قياسي في درجات الحرارة يجهد شبكات الكهرباء ويستنزف احتياطيات المياه الحيوية.
و يرى يي مينغ، عالم المناخ الفيزيائي والأستاذ الزائر في جامعة سنغافورة وبوسطن كليدج، أن قطاعي الزراعة والطاقة الكهرومائية هما الأكثر عرضة للمخاطر، لا سيما في الدول المعتمدة على الزراعة.
في السياق حذر جاستن من أن جفاف التربة يهدد المحاصيل الأساسية، خاصة الأرز وزيت النخيل، مما قد يسبب نقصًا في الغذاء وارتفاعاً في الأسعار يوجه ضربة قوية للاقتصادات المحلية ويهدد الأمن الغذائي للأسر ذات الدخل المنخفض.
وهذه التحديات دفعت جيسون لي، رئيس مركز جنوب شرق آسيا لشبكة المعلومات الصحية العالمية للحرارة، لوصف العودة الوشيكة للظاهرة بأنها اختبار إجهاد حقيقي لأنظمة تعاني بالفعل من الضغوط.
- التأثير على المناطق الريفية
وتزداد العواقب وطأة في المناطق الريفية النائية التي تفتقر للبنية التحتية، إذ يودي تسارع التبخر بمصادر مياهها الهشة كالآبار الضحلة والأنهار الطبيعية، مما يضطر العائلات لاستخدام مياه راكدة وغير آمنة ترفع من معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه كالكوليرا، تزامناً مع تهيئة الظروف لانتشار حمى الضنك والملاريا.

كما يتوقع الخبراء أن يتسبب الجفاف في اندلاع حرائق ضخمة في الأراضي الزراعية وأراضي الخث في سومطرة وكاليمانتان، لتمتد أعمدة الدخان السام وتغطي مراكز مالية رئيسية مثل سنغافورة وكوالالمبور.
ويحذر بنجامين هورتون، عميد كلية الطاقة والبيئة بجامعة مدينة هونغ كونغ، من أن ما يجعل الموجة مقلقة للغاية هو تداخلها مع التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية، مما يعزز من حدة الكارثة.
وفي ظل التأثيرات الحادة في جنوب شرق آسيا، يرى الحاجبي أن الوضع في اليمن يختلف إذ أن ظاهرة النينيو تعد أحد العوامل الطبيعية المؤثرة في النظام المناخي العالمي، لكنها ليست العامل المسيطر على مناخ اليمن.
وأوضح الحاجبي أن تأثير ظاهرة النينو محليًا يظل محدودًا ومتغيرًا، ويعتمد بالدرجة الأولى على طبيعة تفاعلها مع عوامل مناخية إقليمية ومحلية أخرى.
وينهي حديثه مشددًا على أهمية تجنب ربط أي ظاهرة جوية بالنينيو بصورة مباشرة، لا سيما وأن الأدلة العلمية تثبت أن الاحترار العالمي أصبح اليوم هو العامل الأكثر تأثيرًا في زيادة درجات الحرارة وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة.
"ريف اليمن"



















