> «الأيام» الوحدوي نت:
تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيدًا مع استمرار تراجع التمويل الدولي للعمليات الإغاثية وتزايد الضغوط الاقتصادية والمعيشية على ملايين السكان، في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة ومنظمات دولية من اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي وارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات خلال الأشهر المقبلة.

وتكشف أحدث البيانات الصادرة خلال النصف الأول من يوليو الجاري، عن وكالات الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي وشبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة، عن صورة مقلقة للأوضاع في البلاد، حيث تتقاطع أزمة التمويل الإنساني مع التدهور الاقتصادي وتداعيات الصراع الإقليمي، لتشكل مجتمعة عوامل ضغط تهدد الأمن الغذائي لملايين اليمنيين.
- فجوة تمويلية تهدد المساعدات
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في اليمن لعام 2026 لم تحصل حتى منتصف يوليو الجاري سوى على 411 مليون دولار، ما يعادل 19 % فقط من إجمالي التمويل المطلوب البالغ 2.16 مليار دولار.

وتعني هذه الأرقام أن الخطة الإنسانية لا تزال تواجه فجوة تمويلية ضخمة تصل إلى 1.75 مليار دولار، أي ما نسبته 81 % من الاحتياجات المعلنة، الأمر الذي يضع برامج الإغاثة الأساسية أمام تحديات متزايدة ويهدد بحرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الغذائية والصحية وخدمات الحماية المنقذة للحياة.
وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين للخطة الإنسانية بقيمة 83.6 مليون دولار، تلتها السعودية بـ80 مليون دولار، ثم المملكة المتحدة بـ58.8 مليون دولار، فيما ساهمت ألمانيا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية وهولندا والسويد بمبالغ متفاوتة لدعم الاستجابة الإنسانية.
- اتساع رقعة الجوع
كما ارتفعت معدلات الحرمان الغذائي الشديد إلى 36 % على المستوى الوطني، بينما تجاوزت جميع المحافظات اليمنية العتبة المصنفة دوليًّا بأنها"عالية جدًّا" والتي تبلغ 40 % في مايو الماضي، مع تسجيل أعلى المستويات في محافظات البيضاء والجوف والضالع ولحج وريمة وشبوة وعمران وحجة وأبين.
ويحذر البرنامج الأممي من أن تأثيرات الجفاف والفيضانات وتراجع المساعدات الإنسانية وارتفاع أسعار السلع والوقود قد تدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة مع نهاية العام الجاري.
وبينما ترفع تقارير حديثة لمنظمات دولية تقديرات المتأثرين بانعدام الأمن الغذائي إلى نحو 18 مليون شخص، ترسم شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة صورة أكثر قتامة للمشهد الإنساني، متوقعة استمرار الأزمة الغذائية الواسعة في جميع المحافظات اليمنية حتى مطلع عام 2027، مع حاجة ما بين 15 و16 مليون شخص للمساعدات الغذائية خلال الربع الثالث من عام 2026.
وأرجعت الشبكة هذه التوقعات إلى استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، وانخفاض فرص العمل، وتراجع مصادر الدخل، وضعف الإنتاج الزراعي نتيجة انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب تداعيات الصراع المستمر منذ سنوات.
- تراجع واردات الوقود
وسجلت واردات الوقود تراجعًا حادًّا بلغ 73 % عن ذات الفترة في 2025، في حين حافظت واردات الغذاء على مستويات أعلى نسبيًا، ما ساهم في استمرار توفر السلع الغذائية في الأسواق، رغم صعوبة حصول الأسر عليها بسبب ضعف الدخل وارتفاع الأسعار.

وفي المقابل، استقبلت الموانئ الواقعة ضمن نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا نحو 823 ألف طن من الوقود والمواد الغذائية خلال الفترة ذاتها، بانخفاض قدره 35 % مقارنة بالعام الماضي، وسط مخاوف من انعكاسات تراجع الواردات على استقرار الأسواق المحلية.
كما شهدت مناطق الحكومة في مايو الماضي ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الوقود تراوح بين 26 و30 %، في أعلى مستوى لها منذ أغسطس 2025، إلى جانب زيادة سعر صرف الدولار الجمركي من 750 إلى 1550 ريالًا للدولار الواحد، ما يهدد بموجة جديدة من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة حجم التحديات التي تواجه اليمن في ظل استمرار الصراع وتراجع التمويل الإنساني وتفاقم الأزمات الاقتصادية، حيث باتت ملايين الأسر عالقة بين تقلص المساعدات وارتفاع الأسعار وضعف فرص العمل.
ومع دخول النصف الثاني من عام 2026، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك دولي أكبر لسد فجوة التمويل الإنساني ودعم استقرار الاقتصاد والخدمات الأساسية، تجنبًا لمزيد من التدهور في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم.
- مساعدات شحيحة وفجوة تمويلية
وتوزعت هذه المساعدات على قطاعات متعددة، حيث استفاد نحو 3.45 ملايين شخص من برامج الأمن الغذائي وسبل العيش، فيما حصل 2.26 مليون شخص على خدمات المياه والإصحاح البيئي والنظافة، بينما تلقى أكثر من 848 ألف شخص خدمات صحية أساسية. كما وصلت التدخلات التغذوية إلى أكثر من مليوني شخص، في حين استفاد نحو 400 ألف شخص من خدمات الحماية والدعم الاجتماعي.
غير أن الأمم المتحدة تؤكد أن حجم الاستجابة لا يزال دون مستوى الاحتياجات الفعلية بسبب النقص الحاد في التمويل، الأمر الذي يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على توسيع نطاق تدخلاتها في ظل اتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية في البلاد.
- الحاجة تتفاقم والاستجابة تتراجع
ويجمع مراقبون على أن الحفاظ على مستويات الاستجابة الحالية، فضلًا عن توسيعها، يتطلب دعمًا دوليًّا أكبر لتجنب انزلاق ملايين اليمنيين إلى أوضاع إنسانية أكثر صعوبة خلال الأشهر المقبلة.
وتفيد مصادر حكومية وتجارية بأن موردي السلع يواجهون صعوبات متزايدة في إيصال الشحنات إلى اليمن، في ظل تعطل بعض خطوط الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي يهدد بموجة جديدة من ارتفاع الأسعار في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 % من احتياجاته الغذائية.
وأشارت المصادر إلى أن أسعار عدد من السلع الأساسية ارتفعت خلال فترات التوتر الأخيرة بأكثر من 20 %، بينما كانت الزيادات أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين نتيجة الرسوم والقيود المفروضة على بعض الواردات، ما زاد من الأعباء المعيشية على السكان الذين يعانون أصلًا من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر.
وفي سياق التداعيات الاقتصادية المتزايدة للأزمة الإقليمية، كشفت تقارير اقتصادية مطلع يوليو الجاري أن اليمن يتحمل أعباء إضافية في تكاليف الشحن البحري تُقدَّر بما بين مليار ومليار ونصف مليار دولار سنويًّا، نتيجة الحرب وعدم الاستقرار وارتفاع أقساط التأمين واضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز. وأشارت التقديرات إلى أن المستورد اليمني يدفع في المتوسط نحو 3 آلاف دولار إضافية للحاوية الواحدة مقارنة بالموانئ الإقليمية المجاورة، فيما ترتفع الكلفة في بعض الحالات إلى أكثر من 5 آلاف دولار للحاوية بسبب إعادة الشحن عبر موانئ وسيطة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه التكاليف الإضافية تنعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية، ما يزيد الضغوط المعيشية على السكان. كما حذروا من أن استمرار التوترات الإقليمية واضطراب سلاسل الإمداد قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار السلع، وتأخير وصول الشحنات، وتفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.

















