> كتب/ المراقب السياسي:

  • وقف إطلاق النار الأممي.. إنقاذ مستمر للحوثيين
  • الشعب فقد الثقة بالأمم المتحدة ومبعوثها ومفاوضات السلام
  • كلما ضاق الخناق على الحوثي ميدانيًا ارتفعت أصوات التهدئة دوليًا
  • من الحديدة إلى مأرب..هدنة تُغلق جبهة وتفتح للحوثي جبهة أخرى
  • أحد عشر عامًا من المفاوضات ولم تُستعد الدولة ولم يُنزع السلاح
  • المشكلة ليست في السلام..بل في سلام يجمّد الانقلاب ويحمي نتائجه
  • إذا كانت المفاوضات لا تنهي الحرب فلماذا يُمنع الحسم العسكري؟
لم تكن موجة الغضب التي أعقبت التصريح الأخير للمبعوث الأممي إلى اليمن هانس جروندبرج مجرد ردة فعل عابرة على بيان دبلوماسي آخر، ولا اعتراضًا يمنيًا على مبدأ السلام أو الرغبة في إنهاء حرب أنهكت البلاد والعباد. ما ظهر في منصات التواصل الاجتماعي وفي مواقف مسؤولين وسياسيين وإعلاميين يمنيين هو شيء أعمق بكثير: أزمة ثقة متراكمة في مفهوم «السلام» الذي تقدمه الأمم المتحدة كلما تحرك ميزان القوة على الأرض بطريقة تهدد بقاء الحوثيين في مواقعهم.

فالبيان الصادر عن جروندبرج في 7 سبتمبر 2026 بدأ بالإقرار بأن «الهجمات الأخيرة لأنصار الله على عدة جبهات» هي التي فجرت تصاعدًا متزايدًا في الاشتباكات، لكنه انتقل بعد ذلك مباشرة إلى مطالبة الأطراف جميعًا بوقف الأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس والعودة إلى المفاوضات. 
وهنا تحديدًا بدأت المشكلة.

فمن وجهة نظر قطاع واسع من اليمنيين، لا يمكن تحديد الطرف الذي بدأ الهجوم، ثم عندما تتحرك القوات الحكومية لرده واستعادة مواقعها، يُطلب من الطرفين التوقف وكأنهما في المركز القانوني والسياسي ذاته. وهذا تحديدًا ما أثار اعتراضات يمنية واسعة خلال الساعات الماضية، سواء في مواقع التواصل أو داخل الحكومة نفسها، حيث اعتبر منتقدون أن لغة «جميع الأطراف» تعيد إنتاج معادلة تساوي بين مؤسسات الدولة وبين جماعة مسلحة استولت بالقوة على العاصمة ومؤسسات الدولة. 

المشكلة، إذًا، ليست في كلمة السلام.
المواطنون يريدون السلام أكثر من أي موظف أممي وصل إلى صنعاء أو عدن أو مسقط أو الرياض. هم الذين دفنوا أبناءهم، وخسروا منازلهم وأعمالهم ومدنهم ومدخراتهم، وهم الذين يعيشون آثار الحرب منذ أكثر من عقد.

لكن السؤال الذي يتكرر اليوم هو: أي سلام؟
هل المقصود سلام ينهي الحرب، أم هدنة توقفها فقط عندما تصبح نتائجها العسكرية غير مريحة للحوثيين؟

وهل المطلوب تسوية تعيد الدولة والسلاح والمؤسسات إلى إطار سياسي وقانوني واضح، أم مجرد تجميد خطوط التماس ثم الانتظار إلى أن يقرر أحد الأطراف إشعال جبهة جديدة؟
هذه الأسئلة ليست جديدة، وأقوى دليل يستحضره المواطنون اليوم يعود إلى واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ الحرب اليمنية: معركة الحديدة عام 2018.

في نوفمبر من ذلك العام كانت القوات المشتركة المدعومة من التحالف، وبينها قوات جنوبية وفي مقدمتها تشكيلات شاركت بقوة في عمليات الساحل الغربي، قد وصلت إلى مشارف مدينة الحديدة وأصبحت المعركة تقترب بصورة خطرة من الميناء والمدينة.

وكانت تلك اللحظة، في حسابات خصوم الحوثيين، واحدة من أهم الفرص العسكرية منذ بداية الحرب، لأن السيطرة على الحديدة كانت ستنتزع من الجماعة أهم منفذ بحري يقع تحت سيطرتها على البحر الأحمر، وتعيد رسم ميزان القوى بصورة كبيرة، لكن الهجوم توقف.

وفي 15 نوفمبر 2018 نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر أن التحالف أمر بوقف الهجوم داخل الحديدة في ما وصفته الوكالة بأنه استجابة واضحة للضغوط الغربية المتزايدة لإنهاء الحرب وتهيئة الأجواء للمفاوضات التي كانت الأمم المتحدة تعمل لعقدها في السويد. وكانت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تضغط بصورة عاجلة لوقف الأعمال العسكرية قبل بدء المشاورات. 

وبعد أسابيع قليلة، وتحت رعاية المبعوث الأممي آنذاك مارتن غريفيث، انعقدت مشاورات السويد وأُعلن اتفاق ستوكهولم في 13 ديسمبر 2018، متضمنًا وقف إطلاق النار في الحديدة وإعادة انتشار متبادل للقوات من المدينة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى. ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 18 ديسمبر.

ما حدث بعد ذلك أصبح بالنسبة لكثير من اليمنيين جزءًا أساسيًا من ذاكرتهم السياسية عن الدور الأممي.

القوات التي كانت تتقدم توقفت.
الحديدة لم تتحرر.
الميناء بقي عملياً ضمن منطقة سيطرة الحوثيين.
أما عمليات إعادة الانتشار المتفق عليها فتحولت إلى عملية طويلة ومعقدة ومحل نزاع.

وبعد أربعة أشهر فقط من الاتفاق كان مجلس الأمن نفسه يعرب عن «قلقه البالغ» لأن اتفاقات ستوكهولم لم تكن قد نُفذت بعد، داعيًا الطرفين إلى تنفيذها وعدم استغلال عملية إعادة الانتشار. 

وفي أبريل ومايو 2019، بينما كانت الأمم المتحدة لا تزال تحاول تنفيذ المرحلة الأولى من إعادة الانتشار في الحديدة، كانت جبهة أخرى تشتعل جنوبًا.

اندفعت قوات الحوثيين باتجاه الضالع، واندلعت مواجهات عنيفة قتل فيها العشرات ثم المئات، فيما وثقت تقارير «أسوشيتد برس» بدء توغلات حوثية جديدة في المحافظة خلال أبريل من ذلك العام. 
ثم جاءت مأرب.

وخلال السنوات التالية تحول الضغط الحوثي باتجاه مأرب إلى إحدى أكبر العمليات العسكرية للجماعة، واستمرت محاولات التقدم نحو المدينة وحقول النفط والغاز سنوات، ووصلت ذروتها في 2021 عندما وصفت واشنطن الهجوم الحوثي على مأرب بأنه أخطر تهديد لجهود التوصل إلى هدنة. 

وهنا تتشكل الرواية الشعبية التي نسمعها اليوم من جديد:

توقفت معركة الحديدة، لكن الحرب لم تتوقف.

توقف الهجوم على الحوثيين في الساحل الغربي، لكن الحوثيين لم يتوقفوا عن الهجوم في الضالع ثم مأرب ومناطق أخرى.

ومن هذه الزاوية ينظر كثير من اليمنيين إلى اتفاق ستوكهولم لا باعتباره اتفاق سلام أنهى جبهة، وإنما باعتباره اتفاقاً جمد الجبهة في المكان الذي كان الحوثيون فيه تحت ضغط عسكري، ومنح الجماعة فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية والانتقال إلى ساحات أخرى.

وهنا يذهب بعض المنتقدين أبعد من الحديث عن «فشل أممي»، ليصفوا ما جرى بأنه انحياز عملي أو حتى «تورط مباشر» في حماية الحوثيين من خسارة الحديدة.

ولا توجد وثيقة أممية تثبت أن هدف الأمم المتحدة كان دعم الحوثيين عسكريًا، وكانت الأمم المتحدة تقول حينها إن هدف وقف القتال حماية المدنيين ومنع انهيار الإمدادات الإنسانية عبر الميناء. لكن خطورة المسألة بالنسبة لليمنيين ليست في النوايا المعلنة بقدر ما هي في النتيجة الميدانية التي بقيت محفورة في الذاكرة السياسية: تقدم عسكري توقف تحت ضغط دولي، اتفاق لم ينفذ كما كان مقررًا، ثم حرب حوثية استمرت على جبهات أخرى.

وهذا هو السبب الذي يجعل بيان غروندبرغ الحالي يستدعي فورًا ذاكرة غريفيث والحديدة.

فعندما يسمع اليمني اليوم عبارة “وقف جميع الأعمال العدائية” في لحظة تشهد فيها القوات الحكومية تحركًا ميدانيًا ضد الحوثيين، فإنه لا يسمع الكلمات وحدها، بل يتذكر ما حدث في نوفمبر وديسمبر 2018.
يتذكر كيف تحولت لحظة اقتراب القوات من الحديدة إلى اتفاق سلام.

ويتذكر أن السلام الموعود لم يصل.
ويتذكر أن الحرب انتقلت بعد ذلك إلى الضالع ومأرب.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل نحن أمام ستوكهولم جديد؟

الأكثر خطورة أن تجربة الحديدة ليست سوى حلقة واحدة في مسار تفاوضي امتد أكثر من عقد.

منذ اندلاع الحرب واتساعها في 2015، انتقلت الأزمة بين مبادرات ومشاورات وخطط ومبعوثين. شهد اليمن مبادئ مسقط في 2015، وجولات تفاوض مطولة، واتفاق ستوكهولم في 2018، ثم هدنة الأمم المتحدة عام 2022، إضافة إلى اتصالات ومسارات تفاوضية مباشرة وغير مباشرة في مسقط والرياض وغيرها.

وتظهر قاعدة بيانات الأمم المتحدة نفسها سلسلة طويلة من الاتفاقات والمبادرات المرتبطة باليمن، وصولًا إلى هدنة أبريل 2022. 

لكن السؤال بعد أحد عشر عامًا ليس كم مؤتمرًا عقد، ولا كم رحلة قام بها المبعوثون، ولا كم مرة استخدمت عبارة «فرصة تاريخية للسلام».

السؤال الوحيد هو: هل انتهت الحرب؟
والإجابة واضحة: لا.
هل أعيدت مؤسسات الدولة؟ لا.
هل نُزع السلاح الثقيل من الجماعة؟ لا.
هل أصبحت الدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم؟ لا.
هل توقفت الصواريخ والمسيّرات؟ لا.
هل أغلقت الجبهات بصورة نهائية؟ لا.

بل إن بيان غروندبرغ نفسه في سبتمبر 2026 يأتي لأن الحرب عادت لتتوسع من جديد، بعد أكثر من عشر سنوات من الوساطات الأممية. 

صحيح أن الهدنة الأممية لعام 2022 خفضت مستوى العمليات العسكرية لفترة طويلة، وأسهمت في الحد من الخسائر وفتحت المجال أمام إجراءات إنسانية واقتصادية، وهذه نتائج لا ينبغي إنكارها. لكن الهدنة لم تتحول إلى اتفاق سلام نهائي، ولم تعالج جذور الصراع السياسية والعسكرية، وهو ما يفسر لماذا تجد الأمم المتحدة نفسها في 2026 تحذر مجددًا من عودة الحرب الواسعة.

وهنا يصل نقاش المواطنين إلى أكثر نقاطه حساسية:
ماذا إذا كانت المفاوضات نفسها قد أصبحت جزءًا من إدارة الحرب بدلًا من إنهائها؟

السلام الحقيقي يفترض أن تكون للمفاوضات نهاية.
أن توجد التزامات.
أن توجد جداول زمنية.
أن توجد عواقب لمن ينقض الاتفاق.

أما عملية سياسية مفتوحة بلا سقف زمني، يستطيع خلالها الطرف الأقوى تسليحًا أن يفاوض عندما يتعرض للضغط ويقاتل عندما تتحسن ظروفه، فإنها لا تصنع سلامًا؛ إنها قد تصنع استراحة بين حربين.
وبعد أحد عشر عامًا، بات قطاع واسع من اليمنيين يرى أن الشرعية اليمنية لا تستطيع أن تستمر إلى ما لا نهاية في معادلة تمنعها من تحقيق مكاسب عسكرية حاسمة، بينما لا توجد في المقابل آلية دولية قادرة على فرض تسوية سياسية ملزمة على الحوثيين.

فإذا كان الحوثي يستطيع التفاوض والاحتفاظ بسلاحه وصواريخه ومؤسساته العسكرية ومناطق سيطرته، وإذا كان يستطيع العودة إلى الحرب متى شاء، فما الذي يدفعه إلى تقديم تنازل حقيقي على طاولة المفاوضات؟
السياسة، في النهاية، تقوم على موازين القوة.

وأي مفاوضات لا تستند إلى ميزان قوة قادر على إنتاج تنازلات تصبح مجرد إدارة للوقت.

ولهذا تعود اليوم داخل اليمن فكرة كان المجتمع الدولي يحاول دفنها طوال سنوات: أن الضغط العسكري قد يكون هو الوسيلة الوحيدة المتبقية لتغيير الحسابات السياسية للحوثيين.

وهذا لا يعني أن الحرب خيار سهل، ولا أن كلفتها الإنسانية يمكن تجاهلها. أي عودة واسعة إلى العمليات العسكرية ستدفع ثمنها المدن والمدنيون والاقتصاد اليمني المنهك، وهي حقيقة يجب ألا تغيب عن أي قرار سياسي أو عسكري.
لكن هناك أيضًا كلفة أخرى قلما يتحدث عنها المجتمع الدولي: كلفة الحرب التي لا تنتهي.

كلفة هدنة تستمر سنوات ثم تنهار.
كلفة جيل كامل يولد ويكبر تحت سلطة السلاح.

وكلفة أن تتحول الجماعة المسلحة، بمرور الزمن، من واقع استثنائي فرضته الحرب إلى واقع سياسي دائم لأن المجتمع الدولي يخشى تغيير خطوط التماس.
من هذه الزاوية، لم يعد السؤال أمام الشرعية اليمنية: الحرب أم السلام؟
السؤال أصبح: أي طريق يستطيع فعلًا الوصول إلى السلام؟

إذا كانت إحدى عشرة سنة من المفاوضات لم تنتج تسوية نهائية، وإذا كانت الهدن تمنح هدوءًا مؤقتًا ثم تعود الجبهات إلى الاشتعال، وإذا كانت الضغوط الدولية تتصاعد بصورة خاصة عندما تصبح المعركة مهددة لمواقع الحوثيين، فإن المطالبة اليمنية اليوم بإعادة الاعتبار للخيار العسكري لا تنطلق بالضرورة من عشق الحرب، بل من اليأس من عملية سياسية لم تثبت حتى الآن قدرتها على إنهائها.

ومن هنا ينبغي فهم غضب المواطنين من غروندبرغ.
إنه ليس رفضًا للسلام.
إنه رفض لأن يكون «السلام» اسمًا آخر لتجميد ميزان القوة.

رفض لأن تصبح الأمم المتحدة حارسًا لخطوط سيطرة صنعها السلاح.
ورفض لأن يتكرر نموذج الحديدة: يتقدم خصوم الحوثي، يتحرك المجتمع الدولي، تتوقف المعركة، تبدأ المفاوضات، يبقى الحوثي في مكانه، ثم يفتح جبهة جديدة.

المواطنون الذين ينتقدون المبعوث الأممي اليوم يقولون، في جوهر موقفهم، شيئاً شديد البساطة:
أوقفوا الحرب فعلاً، لا أوقفوا فقط من يحاول حسمها.

فإذا استطاعت الأمم المتحدة أن تقدم سلامًا يضمن إنهاء الهجمات، ومعالجة قضية السلاح، واستعادة المؤسسات، وضمان عدم العودة إلى الحرب، فسيكون المواطنين أول من يتمسك به.

أما أن تكون الدعوة إلى السلام مجرد طلب جديد بوقف القوات الحكومية عندما تتحسن مواقعها، وانتظار جولة أخرى من المفاوضات المفتوحة، فإن تجربة الأحد عشر عامًا الماضية تجعل من الصعب إقناع اليمنيين بأن الجولة الثانية عشرة ستنتج وحدها ما عجزت عنه كل الجولات السابقة.

وعند هذه النقطة، يصبح الخيار الذي تحاول الدبلوماسية الدولية تجاهله أكثر حضورًا:
إما عملية سلام تمتلك أدوات تنفيذ وضمانات حقيقية وتضع نهاية واضحة للسلاح خارج الدولة، وإما أن تجد الشرعية نفسها مضطرة إلى استكمال المعركة العسكرية حتى يتغير ميزان القوة الذي فشلت المفاوضات في تغييره طوال أحد عشر عامًا.

وهذا هو جوهر الرسالة الغاضبة التي تخرج اليوم من اليمن:
المواطنون لا يرفضون السلام.. لكنهم يرفضون سلامًا ينقذ الحوثي كلما اقترب من خسارة الميدان.