> «الأيام» يمن مونيتور:
لم تكن سلطنة عُمان حليفًا لإيران بالمعنى الاستراتيجي أو العسكري، لكنها شكّلت طوال عقود «الاستثناء الخليجي» في علاقة طهران بجيرانها العرب. فقد بنت مسقط مع الجمهورية الإسلامية شراكة براغماتية أتاحت للطرفين إدارة الخلافات، ومنحت عُمان دور الوسيط الموثوق بين إيران والولايات المتحدة ودول الخليج. غير أن الحرب التي بدأت بالهجوم الأمريكي– الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026 وضعت هذه العلاقة أمام اختبار غير مسبوق.
و سُجّل أول هجوم معلن على سلطنة عُمان في الأول من مارس، عندما أصابت طائرتان مسيّرتان ميناء الدقم وأصيب عامل أجنبي، قبل أن تتكرر الهجمات على موانئ ومنشآت ومناطق عُمانية. وكان ذلك التحول مهمًا؛ لأن مسقط اعتادت النظر إلى علاقتها الخاصة بطهران باعتبارها مظلة تخفف تعرضها للارتدادات العسكرية للصراعات الإقليمية.
لكن الأهم بالنسبة إلى اليمن ليس تضرر العلاقات الإيرانية – العُمانية في حد ذاته، بل الطريقة التي يمكن أن يغيّر بها ذلك حسابات مسقط تجاه الحوثيين. فالسلطنة تستضيف الوفد السياسي للجماعة منذ 2016، وتوفر له قناة اتصال مع القوى الدولية، كما اضطلعت بدور الوسيط في المفاوضات مع السعودية والحكومة اليمنية والولايات المتحدة. ولذلك فإن أي إعادة تعريف عُمانية للعلاقة مع إيران ستنعكس، بدرجات متفاوتة، على المجال السياسي والدبلوماسي واللوجستي المتاح للحوثيين.
لم تكن السياسة العُمانية انحيازًا أيديولوجيًا لإيران، بل جزءًا من استراتيجية توازن شملت أيضًا علاقات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة، تجنب تحويل عُمان إلى ساحة للصراع، وليس التزامًا بالوقوف إلى جانب إيران. لذلك، حين تحولت إيران من شريك يسهم في أمن عُمان إلى مصدر تهديد عبر استهداف أراضيها ومنازعتها إدارة الملاحة في مياهها الإقليمية، بدأت العلاقة الخاصة بين البلدين تدخل مرحلة مختلفة تحكمها اعتبارات السيادة والأمن المباشر، وهو ما يفسّر التحوّل الراهن.
وبلغ التوتر مرحلة أكثر خطورة عقب زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط في 11 يوليو لمناقشة ترتيبات المضيق. فبعد ساعات من انتهاء الزيارة، استُهدفت مواقع في محافظتي مسندم والوسطى. وفي اليوم التالي، استدعت الخارجية العُمانية السفير الإيراني وسلّمته مذكرة احتجاج رسمية، ووصفت الهجمات بأنها «أعمال غير مسؤولة»، مطالبة باحترام سيادة الدول وحسن الجوار وعدم التدخل. وقد مثّل هذا الاحتجاج واحدًا من أشد المواقف العُمانية تجاه طهران خلال تاريخ العلاقة الحديثة.
وفي 14 يوليو، أصدرت مسقط بيانًا منفصلًا أكدت فيه التزامها باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتمسكها باستعادة حرية الملاحة وفق القانون الدولي. لم تسمِّ إيران مباشرة، لكن توقيت البيان ومضمونه شكّلا ردًّا قانونيًّا واضحًا على محاولة طهران تحويل تفوقها العسكري المؤقت إلى حق سيادي دائم في المضيق.
يعكس الخطاب الصادر عن شخصيات إيرانية نافذة أن الخلاف لم يعد محصورًا في سلوك وحدات الحرس الثوري. فقد احتفى رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي بما سماه «إفشال الممر الجنوبي»، مقدمًا إغلاق المسار العُماني باعتباره انتصارًا على مشروع أمريكي هدفه تقييد إيران.
وكان مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي أكثر وضوحًا، إذ قال إن مضيق هرمز «ملك لإيران»، وإنه أصبح خاضعًا للسيادة الإيرانية بقرار المرشد، باعتباره واحدًا من إنجازات حرب الأربعين يومًا. كما وصف السماح بمرور جزء من حركة السفن قرب السواحل العُمانية بأنه تفريط في أصل وطني إيراني.
ليس التقارب العُماني–السعودي وليد الخلاف الأخير في مضيق هرمز. حيث ظهرت بوادره بوضوح خلال أزمة حضرموت والمهرة أواخر 2025 ومطلع 2026.
وتعزز هذا الاتجاه خلال زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى فرنسا في 29 يونيو. إذ أكد البيان المشترك العُماني–الفرنسي الدعم الكامل لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، وحرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، والحق غير المشروط في المرور العابر وفق قانون البحار، إلى جانب التعاون في إزالة الألغام. وهذه صياغة تتجاوز الحياد التقليدي إلى تحديد مرجعية واضحة: الشرعية اليمنية في البر، والقانون الدولي في البحر.
لا تملك عُمان قدرة على إصدار أوامر للحوثيين، ولا ينبغي المبالغة في نفوذها عليهم. فالجماعة تمتلك مشروعًا محليًا ومؤسسات عسكرية وأمنية ومصادر قرار خاصة بها، حتى مع ارتباطها المتزايد بإيران. لكن مسقط تملك مجموعة من أدوات التأثير النوعية التي يصعب تعويضها.
أهم هذه الأدوات استضافة الوفد الحوثي ومنحه منصة آمنة للقاء الدبلوماسيين وممثلي الأمم المتحدة والقوى الغربية. ومن دون مسقط، سيجد الحوثيون أنفسهم أمام خيارين أقل ملاءمة: نقل نشاطهم الخارجي إلى طهران أو عاصمة حليفة لها، بما يضعف ادعاء استقلال قرارهم، أو إدارة اتصالاتهم من صنعاء تحت قيود السفر والعقوبات والمخاطر الأمنية.
تملك عُمان أيضًا تأثيرًا على مسارات السفر والعبور الجوي والبري، وعلى البيئة الحدودية في المهرة، فضلًا عن معرفتها المتراكمة بقيادات الجماعة وآليات تفاوضها.
من الصعب توقع مسار لجوء السلطنة إلى طرد الوفد الحوثي أو قطع اتصالاتها به، لأن ذلك سيفقدها ورقة دبلوماسية مهمة ويترك الساحة بالكامل لإيران. الأرجح هو تشديد الشروط بصورة هادئة: ضبط تحركات الوفد، الحد من استخدام الأراضي العُمانية للتنسيق الإيراني–الحوثي، التدقيق في الرحلات والعبور، وربط استمرار التسهيلات بانخراط أكثر جدية في المسار الأممي ووقف التهديدات للسعودية والملاحة.
و سُجّل أول هجوم معلن على سلطنة عُمان في الأول من مارس، عندما أصابت طائرتان مسيّرتان ميناء الدقم وأصيب عامل أجنبي، قبل أن تتكرر الهجمات على موانئ ومنشآت ومناطق عُمانية. وكان ذلك التحول مهمًا؛ لأن مسقط اعتادت النظر إلى علاقتها الخاصة بطهران باعتبارها مظلة تخفف تعرضها للارتدادات العسكرية للصراعات الإقليمية.
لكن الأهم بالنسبة إلى اليمن ليس تضرر العلاقات الإيرانية – العُمانية في حد ذاته، بل الطريقة التي يمكن أن يغيّر بها ذلك حسابات مسقط تجاه الحوثيين. فالسلطنة تستضيف الوفد السياسي للجماعة منذ 2016، وتوفر له قناة اتصال مع القوى الدولية، كما اضطلعت بدور الوسيط في المفاوضات مع السعودية والحكومة اليمنية والولايات المتحدة. ولذلك فإن أي إعادة تعريف عُمانية للعلاقة مع إيران ستنعكس، بدرجات متفاوتة، على المجال السياسي والدبلوماسي واللوجستي المتاح للحوثيين.
لم تكن السياسة العُمانية انحيازًا أيديولوجيًا لإيران، بل جزءًا من استراتيجية توازن شملت أيضًا علاقات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة، تجنب تحويل عُمان إلى ساحة للصراع، وليس التزامًا بالوقوف إلى جانب إيران. لذلك، حين تحولت إيران من شريك يسهم في أمن عُمان إلى مصدر تهديد عبر استهداف أراضيها ومنازعتها إدارة الملاحة في مياهها الإقليمية، بدأت العلاقة الخاصة بين البلدين تدخل مرحلة مختلفة تحكمها اعتبارات السيادة والأمن المباشر، وهو ما يفسّر التحوّل الراهن.
وبلغ التوتر مرحلة أكثر خطورة عقب زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط في 11 يوليو لمناقشة ترتيبات المضيق. فبعد ساعات من انتهاء الزيارة، استُهدفت مواقع في محافظتي مسندم والوسطى. وفي اليوم التالي، استدعت الخارجية العُمانية السفير الإيراني وسلّمته مذكرة احتجاج رسمية، ووصفت الهجمات بأنها «أعمال غير مسؤولة»، مطالبة باحترام سيادة الدول وحسن الجوار وعدم التدخل. وقد مثّل هذا الاحتجاج واحدًا من أشد المواقف العُمانية تجاه طهران خلال تاريخ العلاقة الحديثة.
وفي 14 يوليو، أصدرت مسقط بيانًا منفصلًا أكدت فيه التزامها باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتمسكها باستعادة حرية الملاحة وفق القانون الدولي. لم تسمِّ إيران مباشرة، لكن توقيت البيان ومضمونه شكّلا ردًّا قانونيًّا واضحًا على محاولة طهران تحويل تفوقها العسكري المؤقت إلى حق سيادي دائم في المضيق.
يعكس الخطاب الصادر عن شخصيات إيرانية نافذة أن الخلاف لم يعد محصورًا في سلوك وحدات الحرس الثوري. فقد احتفى رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي بما سماه «إفشال الممر الجنوبي»، مقدمًا إغلاق المسار العُماني باعتباره انتصارًا على مشروع أمريكي هدفه تقييد إيران.
وكان مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي أكثر وضوحًا، إذ قال إن مضيق هرمز «ملك لإيران»، وإنه أصبح خاضعًا للسيادة الإيرانية بقرار المرشد، باعتباره واحدًا من إنجازات حرب الأربعين يومًا. كما وصف السماح بمرور جزء من حركة السفن قرب السواحل العُمانية بأنه تفريط في أصل وطني إيراني.
ليس التقارب العُماني–السعودي وليد الخلاف الأخير في مضيق هرمز. حيث ظهرت بوادره بوضوح خلال أزمة حضرموت والمهرة أواخر 2025 ومطلع 2026.
وتعزز هذا الاتجاه خلال زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى فرنسا في 29 يونيو. إذ أكد البيان المشترك العُماني–الفرنسي الدعم الكامل لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، وحرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، والحق غير المشروط في المرور العابر وفق قانون البحار، إلى جانب التعاون في إزالة الألغام. وهذه صياغة تتجاوز الحياد التقليدي إلى تحديد مرجعية واضحة: الشرعية اليمنية في البر، والقانون الدولي في البحر.
لا تملك عُمان قدرة على إصدار أوامر للحوثيين، ولا ينبغي المبالغة في نفوذها عليهم. فالجماعة تمتلك مشروعًا محليًا ومؤسسات عسكرية وأمنية ومصادر قرار خاصة بها، حتى مع ارتباطها المتزايد بإيران. لكن مسقط تملك مجموعة من أدوات التأثير النوعية التي يصعب تعويضها.
أهم هذه الأدوات استضافة الوفد الحوثي ومنحه منصة آمنة للقاء الدبلوماسيين وممثلي الأمم المتحدة والقوى الغربية. ومن دون مسقط، سيجد الحوثيون أنفسهم أمام خيارين أقل ملاءمة: نقل نشاطهم الخارجي إلى طهران أو عاصمة حليفة لها، بما يضعف ادعاء استقلال قرارهم، أو إدارة اتصالاتهم من صنعاء تحت قيود السفر والعقوبات والمخاطر الأمنية.
تملك عُمان أيضًا تأثيرًا على مسارات السفر والعبور الجوي والبري، وعلى البيئة الحدودية في المهرة، فضلًا عن معرفتها المتراكمة بقيادات الجماعة وآليات تفاوضها.
من الصعب توقع مسار لجوء السلطنة إلى طرد الوفد الحوثي أو قطع اتصالاتها به، لأن ذلك سيفقدها ورقة دبلوماسية مهمة ويترك الساحة بالكامل لإيران. الأرجح هو تشديد الشروط بصورة هادئة: ضبط تحركات الوفد، الحد من استخدام الأراضي العُمانية للتنسيق الإيراني–الحوثي، التدقيق في الرحلات والعبور، وربط استمرار التسهيلات بانخراط أكثر جدية في المسار الأممي ووقف التهديدات للسعودية والملاحة.


















