> "الأيام" غرفة الأخبار:

تتزايد المؤشرات التي تنذر بعودة التصعيد العسكري في اليمن بعد سنوات من التهدئة النسبية بين جماعة الحوثيين والمملكة العربية السعودية، في وقت تربط فيه تقارير وتحليلات دولية هذا التصعيد بالتحولات الإقليمية المتسارعة وبمحاولة إيران توظيف الساحة اليمنية ضمن استراتيجيتها لمواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. وتكشف التطورات الأخيرة أن اليمن قد يكون على أعتاب مرحلة جديدة تتجاوز الصراع الداخلي، لتتحول أراضيه وممراته البحرية إلى إحدى أهم ساحات الاشتباك في الصراع الإقليمي.

ففي الوقت الذي تشير فيه تحليلات غربية إلى أن الحوثيين بدأوا بالفعل اختبار حدود الهدنة غير المعلنة مع السعودية، تتحدث تقارير استخباراتية وإعلامية عن استعداد الجماعة لتنفيذ عمليات واسعة في البحر الأحمر إذا تعرضت منشآت الطاقة الإيرانية لأي هجوم أمريكي، وهو ما يعكس ارتباطًا متزايدًا بين القرار العسكري للحوثيين والحسابات الاستراتيجية لطهران.

ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها أحداثًا منفصلة، وإنما كجزء من إعادة تشكيل أدوات الردع الإيرانية في المنطقة، بحيث تتحول جماعة الحوثيين إلى أحد أهم الأذرع القادرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي وخطوط الملاحة الدولية.

وتشير قراءة نشرتها صحيفة "جيروزاليم بوست" إلى أن السنوات التي أعقبت هدنة الأمم المتحدة عام 2022 شهدت انخفاضًا ملحوظًا في مستوى المواجهات المباشرة بين الحوثيين والسعودية، إلا أن هذا الهدوء لم يكن يعني انتهاء أسباب الصراع، بل جاء نتيجة ترتيبات سياسية وأمنية مؤقتة فرضتها الظروف الإقليمية، قبل أن تبدأ المؤشرات الحالية في الإيحاء بإمكانية انهيار تلك التفاهمات.

وبحسب التحليل، فإن إعلان الحوثيين استهداف مطار أبها السعودي، بعد اتهامهم الرياض بالمسؤولية عن استهداف مطار صنعاء، يمثل أحد أبرز مؤشرات العودة إلى سياسة التصعيد المتبادل، خاصة أن الحكومة اليمنية أكدت أن الضربة على مطار صنعاء نفذتها قواتها، وليس السعودية، في إطار رفضها استقبال رحلات إيرانية اعتبرتها مخالفة للإجراءات الرسمية.

ويشير ذلك، وفق التحليل، إلى أن الخلاف لم يعد يقتصر على العمليات العسكرية التقليدية، بل يمتد إلى الصراع حول السيطرة على المجال الجوي اليمني، ومحاولات الحوثيين فرض واقع جديد يسمح بإنشاء جسر جوي مباشر مع إيران، وهو ما تخشى الحكومة اليمنية ودول إقليمية أن يؤدي إلى تسهيل نقل الخبراء العسكريين والأسلحة إلى الجماعة تحت غطاء الرحلات المدنية.

ويعتقد محللون أن إصرار الحوثيين على تشغيل رحلات مباشرة مع طهران يتجاوز البعد الإنساني أو المدني، ليحمل رسائل سياسية وعسكرية تهدف إلى إثبات قدرتهم على تجاوز القيود المفروضة عليهم، وترسيخ علاقتهم الاستراتيجية بإيران رغم الضغوط الدولية.

وتزداد هذه المخاوف مع عودة الظهور العلني للمبعوث الإيراني لدى الحوثيين داخل اليمن، بالتزامن مع تصاعد التوتر في الخليج والبحر الأحمر، واستمرار الهجمات الحوثية ضد إسرائيل، وهو ما يعزز الانطباع بأن الجماعة أصبحت أكثر ارتباطًا بإدارة الصراع الإقليمي الذي تقوده طهران.

وفي السياق ذاته، نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر مطلعة أن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق ممرات تصدير النفط عبر البحر الأحمر إذا شنت الولايات المتحدة هجمات تستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، في خطوة تعكس انتقال استراتيجية الرد الإيراني من الدفاع المباشر إلى استخدام حلفائها لفتح جبهات ضغط متعددة.

ووفق التقرير، فإن الرسالة الإيرانية نوقشت داخل القيادة الإيرانية قبل نقلها إلى الحوثيين، الذين أبلغوا بأن عليهم الاستعداد لتنفيذ عمليات تستهدف الملاحة الدولية عند صدور القرار السياسي والعسكري من طهران.

وأضاف التقرير أن الجماعة استكملت استعداداتها العسكرية عبر نشر صواريخ وطائرات مسيرة في محيط مضيق باب المندب، وعلى المرتفعات المطلة على الساحل الغربي وخليج عدن، مع بقاء قرار بدء العمليات مرتبطًا بالتطورات الإقليمية.

كما نقل عن مصدر مقرب من الجماعة أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني الموجودين في اليمن سيلعبون دورًا في تحديد توقيت تنفيذ أي عمليات لإغلاق باب المندب، وهو ما يعكس مستوى التنسيق العسكري بين الطرفين، ويعزز الاتهامات الغربية والإقليمية بشأن الدور المباشر لإيران في إدارة العمليات الحوثية.

وتحذر التقارير من أن الجمع بين إغلاق مضيق هرمز وتهديد الملاحة في باب المندب قد يؤدي إلى أخطر اضطراب تشهده أسواق الطاقة العالمية منذ سنوات، لأن الممرين يمثلان شريانين رئيسيين لتجارة النفط العالمية.

وتكتسب هذه التهديدات أهمية إضافية بالنسبة للسعودية، التي تعتمد بصورة كبيرة على ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر في تصدير نسبة كبيرة من إنتاجها النفطي، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني في البحر الأحمر قضية تتجاوز الأمن اليمني لتصبح قضية تمس الاقتصاد العالمي.

وترى مصادر تحدثت لـ"رويترز" أن الرياض تنظر بجدية إلى هذه التهديدات، في ظل قناعتها بأن مستوى التنسيق بين الحوثيين وإيران أصبح أعلى مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وهو ما يرفع احتمالات استخدام الجماعة كورقة ضغط في أي مواجهة مباشرة بين طهران وواشنطن.

ويشير تزامن هذه التطورات مع استمرار الضربات المتبادلة في المنطقة إلى أن الحوثيين قد يجدون أنفسهم أمام دور جديد يتجاوز حدود الصراع اليمني، بحيث يصبحون جزءًا من منظومة الردع الإيرانية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، وهو ما قد يعيد المملكة العربية السعودية إلى دائرة المواجهة المباشرة بعد فترة من محاولات احتواء الصراع.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة اليمنية أنها لن تسمح باستخدام الأراضي اليمنية لخدمة المشاريع الإقليمية الإيرانية، وأعلنت تشكيل فريق لإدارة الأزمة ينسق المسارات العسكرية والدبلوماسية والقانونية والإعلامية، في محاولة لمنع فرض أمر واقع جديد يتعلق بالرحلات الإيرانية أو بتوسيع النفوذ الحوثي.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الهدنة التي خفضت مستوى المواجهات منذ عام 2022 أمام اختبار جديد، مع تزايد المؤشرات على أن اليمن قد يتحول مجددًا إلى ساحة رئيسية للصراع الإقليمي، خصوصًا إذا تداخلت المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران مع الحسابات الأمنية في البحر الأحمر والخليج.

وتعكس التطورات الأخيرة أن مستقبل التهدئة في اليمن لم يعد مرتبطًا فقط بالتوازنات الداخلية، بل أصبح رهينًا بمسار الأزمة الإقليمية الأوسع، حيث يمكن لأي تصعيد بين طهران وواشنطن أو أي توتر جديد في البحر الأحمر أن يعيد إشعال المواجهة بين الحوثيين والسعودية، ويفتح مرحلة جديدة تتجاوز حدود اليمن لتطال أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة الدولية.