على مدى عقود ظل السياسيون اليمنيون ولا سيما الجنوبيون يؤكدون أن أمن الخليج من أمن اليمن، وأمن اليمن من أمن الإقليم.

ولطالما اعتُبرت هذه المقولة مجرد خطاب سياسي إلى أن أثبتت الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير أنها تعكس حقيقة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

فاليمن يحتل موقعًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية ويشرف على أحد أهم الممرات البحرية الدولية، كما أن استقراره أو اضطرابه ينعكس بصورة مباشرة على أمن الحدود وأمن الطاقة، وسلامة الملاحة الدولية، ومكافحة الإرهاب. ولذلك، فإن استقرار اليمن لم يعد شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب بل أصبح مصلحة خليجية وإقليمية ودولية.

وفي هذا الإطار، فإن أي لقاءات ثنائية بين قيادات المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تكتسب أهمية خاصة في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة. وتبرز في هذا السياق تحركات سياسية تؤكد أهمية العلاقات السعودية الإماراتية كان من بينها مؤخرا صورة جمعت وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان بما حملته من دلالة على أهمية التنسيق بين البلدين ليس فقط لما تمثله العلاقات السعودية الإماراتية من ثقل في المنطقة وإنما أيضًا لتوقيتها الذي يأتي عقب التطورات التي شهدتها الساحة اليمنية ولا سيما في حضرموت والضالع، وفي ظل استمرار التهديدات التي تمثلها جماعة الحوثي على أمن دول المنطقة والمصالح الحيوية فيها وسلامة الملاحة الدولية في خليج عدن والبحر الأحمر الأمر الذي يجعل تعزيز التنسيق والتشاور بين الرياض وأبوظبي ضرورة استراتيجية للتعامل مع هذه التحديات.

وبطبيعة الحال لا يمكن الجزم بما دار في اللقاء إلا أن من المنطقي أن يكون الملف اليمني حاضرًا بقوة في ظل إدراك متزايد بأن أمن الخليج يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمألات الأزمة اليمنية وأن أي مقاربة جديدة ينبغي أن تنطلق من قراءة واقعية لتعقيدات المشهد اليمني في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

ومن وجهة نظر كثير من الجنوبيين فإن مشروع الوحدة اليمنية الذي أُعلن عام 1990 باعتباره مشروعًا طوعيًا وشراكة بين دولتين تعرض لاحقًا لتشوهات عميقة نتيجة السياسات التي انتهجها نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح وتحالفاته المشبوهة مع حزب الإصلاح جماعة الإخوان، ثم ازدادت الأزمة تعقيدًا مع صعود جماعة الحوثي وسيطرتها على مؤسسات الدولة الأمر الذي أدى إلى تآكل أسس الشراكة، وأعاد القضية الجنوبية إلى واجهة المشهد بوصفها قضية سياسية تتعلق بمستقبل الجنوب وشعبه.

ولذلك فإن تجاهل القضية الجنوبية أو تأجيل معالجتها لم يعد خيارًا واقعيًا إذا كان الهدف هو الوصول إلى سلام دائم واستقرار مستدام في اليمن والمنطقة، لأن أي تسوية لا تعالج جذور الأزمة ستظل معرضة للانتكاس.

ويبرز في هذا السياق رأي متنامٍ في الأوساط الجنوبية يرى أن المملكة العربية السعودية بما تمثله من عمق جغرافي وتاريخي وإنساني وما تمتلكه من ثقل سياسي ودبلوماسي، مؤهلة للقيام بدور محوري في رعاية أي مسار سياسي يعالج القضية الجنوبية ضمن إطار يحقق الاستقرار ويحفظ مصالح الجميع.

فاستقرار الجنوب ليس شأنًا محليًا فحسب بل يمثل ركيزة أساسية لاستقرار اليمن وأمن الخليج، وهو ما يجعل الدور السعودي في هذا الملف امتدادًا طبيعيًا لدورها في تعزيز أمن المنطقة.

ولا يعني ذلك أن الحل يُفرض من الخارج وإنما أن نجاح أي تسوية يتطلب شراكة بين الإرادة اليمنية والدعم الإقليمي، في إطار يحترم إرادة الشعوب ويعزز الأمن والاستقرار المشترك.

إن المتغيرات الإقليمية المتسارعة تؤكد أن أمن الخليج واستقرار اليمن لم يعودا مسارين منفصلين بل معادلة واحدة يؤثر كل طرف فيها بالآخر.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تقودان اليوم جهودًا مكثفة للحفاظ على أمن المنطقة، فإن نجاح هذه الجهود يظل مرهونًا بالتوصل إلى تسوية سياسية واقعية تعالج جذور الأزمة اليمنية وفي مقدمتها القضية الجنوبية.

ومن هنا، فإن أي رؤية استراتيجية للمستقبل ينبغي أن تنطلق من حقيقة باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

لا أمن مستدام للخليج دون يمن مستقر، ولا استقرار دائم لليمن دون معالجة عادلة للقضية الجنوبية.