> «الأيام» زهور السعيدي:

تواصل شواطئ المكلا وواجهاتها البحرية استقطاب مئات الزوار يوميًا مع استمرار فعاليات موسم البلدة، وسط حركة نشطة تشهدها الأسواق والمطاعم والفنادق بالتزامن مع البرنامج الثقافي والترفيهي المصاحب للموسم.


ويتجاوز موسم البلدة مفهومه التقليدي المقتصر على الاستحمام البحري، ليرتقي إلى حدث سنوي جامع يدمج بين صون الموروث الشعبي، وتنشيط القطاع السياحي، ودفع عجلة الحراك الاقتصادي والتنموي في حضرموت.

ينطلق الموسم سنويًا من 15 حتى 31 يوليو، وهي الفترة التي تنخفض فيها حرارة مياه البحر لتتحول عادة الاغتسال إلى ظاهرة اجتماعية وسياحية تستقطب الآلاف من داخل محافظة حضرموت وخارجها. 
  • موروث واستشفاء 
على الرغم من أن موسم البلدة ارتبط قديمًا بقصص الاغتسال في البحر، إلا أنه تطور مع مرور الوقت ليصبح مناسبة تعكس علاقة المجتمع الحضرمي بالبحر، وتحافظ على جزء من ذاكرته الشعبية في الوقت الذي أصبح فيه رافدًا مهمًا لتنشيط السياحة الداخلية.


يقول الإعلامي رائد خالد إن ما يميز موسم البلدة عن غيره من المواسم السياحية هو ارتباطه الوثيق بذاكرة المجتمع الحضرمي وعلاقته بالبحر، موضحًا أن الموسم تحول مع مرور الزمن إلى مناسبة تجمع بين الاستجمام والعادة والتراث والاقتصاد.

وأوضح خالد أن برودة مياه البحر في هذا التوقيت من العام تدفع الأهالي والزوار إلى التوجه للشواطئ والاغتسال فيها، في مشهد اجتماعي متوارث أصبح جزءًا من هوية المكلا الصيفية، مشيرًا إلى أن بعض المعتقدات الشعبية ارتبطت بهذه العادة، إذ ساد اعتقاد بين الأهالي بأن الاغتسال في مياه البحر الباردة خلال أيام البلدة يساعد في الشفاء من بعض الأمراض أو التخفيف من آثارها، وهو اعتقاد ظل حاضرًا في الذاكرة الشعبية وتناقلته الأجيال.

ويعرف موسم البلدة لدى كثير من أهالي حضرموت بأنه موسم يرتبط بما يسمى شعبيًا بـ”السياحة العلاجية"؛ إذ يقصد عدد من الزوار شواطئ المكلا اعتقادًا منهم بأن الاغتسال في مياه البحر الباردة يساعد على التخفيف من آلام الظهر والمفاصل وبعض المشكلات الجلدية، كما يمنح الجسم شعورًا بالنشاط والاسترخاء.

وبحسب رائد خالد تبقى المعتقدات جزءاً من الموروث الشعبي المتداول، ولا تعد بديلًا عن التقييم أو العلاج الطبي. وبالتزامن مع الموسم، تعلن بعض المستشفيات والمراكز الطبية في المكلا عن عروض وخدمات صحية تستهدف الزوار والمقيمين، ما يضيف بعدًا صحيًا إلى الحراك الذي تشهده المدينة خلال تلك الفترة.

ولا يقتصر حضور الناس إلى الشاطئ على السباحة، إذ ترافق الموسم عادات اجتماعية وثقافية متعددة، تبدأ بالتجمعات العائلية على امتداد الساحل وتمتد إلى الأهازيج والرقصات الشعبية التي تعكس الموروث الحضرمي. 
  • فعاليات متنوعة 
مع تطور الموسم اتسعت برامجه لتشمل الكرنفالات والقرى التراثية والمعارض الثقافية والعروض البحرية، والأنشطة الرياضية، والأمسيات الفنية والفعاليات المخصصة للأطفال، لتتحول المكلا خلال الفترة الحالية إلى مساحة مفتوحة تحتفي بالتراث والسياحة.


يقول مدير عام مكتب وزارة السياحة بساحل حضرموت مجدي باشادي، إن ما يميز موسم البلدة هذا العام هو تنوع الفعاليات وإدراج برامج جديدة لم تكن موجودة في المواسم السابقة بدعم وإشراف من وزارة السياحة، مشيرًا إلى أن البرنامج تضمن إطلاق سينما البلدة الشاطئية، وقارب البلدة السياحي، إلى جانب تحسين الجانب التنظيمي من خلال توحيد وتنظيم المبادرات والفعاليات والمهرجانات، الأمر الذي أسهم في ظهور الموسم بصورة أكثر تنظيمًا مقارنة بالأعوام الماضية.

وأضاف باشادي أن من أبرز الإضافات، إقامة القرية التراثية التي وصفها بأنها إحدى أهم المبادرات السياحية، حيث شاركت فيها خمس محافظات هي عدن، وأبين، وشبوة، والمهرة، ومأرب، إلى جانب مشاركة واسعة للموروث الثقافي الحضرمي، بما أتاح للزوار التعرف على التنوع الثقافي اليمني في مكان واحد.

وأشار إلى أن الموسم شهد كذلك توفير المخيمات الإيوائية والخيام السياحية، إضافة إلى إتاحة المجال للمنتجعات السياحية لاستقبال الزوار وتقديم خدمات الإقامة، بما يسهم في استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين خلال أيام الموسم. 
  • اقتصاد موسمي 
لا يقتصر أثر موسم البلدة على الجانب الثقافي، بل ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المحلي، إذ تشهد الأسواق التجارية حركة نشطة وترتفع نسبة الإقبال على المطاعم والمقاهي والفنادق، كما تنتعش حركة النقل والأنشطة التجارية المرتبطة بالموسم.


ويقول محمد، وهو صاحب بسطة على كورنيش المكلا، إن الموسم يمثل فرصة ينتظرها الباعة كل عام، موضحًا بأن الإقبال الكبير من الزوار يضاعف حجم المبيعات، ويساعد كثيرًا أصحاب المشاريع الصغيرة على تعويض أشهر الركود.

كما تستفيد الأسر المنتجة من الموسم عبر عرض المأكولات الشعبية والمشغولات اليدوية والعطور والبخور، فيما يجد عدد من الشباب فرصة لإطلاق مشاريع موسمية مؤقتة سواء في بيع المنتجات أو تقديم الخدمات الترفيهية والسياحية.

ويرى رائد خالد أن الجانب الاقتصادي يمثل أحد أهم أبعاد موسم البلدة، إذ ينعكس الموسم على حركة الأسواق، والمطاعم والمقاهي والفنادق، وأصحاب المهن، والأسر المنتجة والبائعين، ويمنح الشباب والقطاع الخاص فرصًا للعمل والاستثمار.

وأضاف: تستفيد المدينة من توافد الزوار وتنشيط الحركة التجارية والسياحية، لافتًا إلى أن قيمة الموسم لا تقاس بعدد الفعاليات فحسب، بل بقدرته على تحويل موسم طبيعي متكرر إلى مناسبة اقتصادية وثقافية وسياحية تعيشها المدينة بكل تفاصيلها، وتعزز حضور المكلا وحضرموت كوجهة سياحية.

من جانبه، يؤكد باشادي أن العائد الاقتصادي للموسم يعد كبيرًا، موضحًا أن أثره لا يقتصر على السلطة المحلية ومكاتبها التنفيذية بل يمتد بصورة مباشرة إلى القطاع الخاص، ولا سيما الفنادق والمطاعم، والمخابز، ومحطات الوقود، إلى جانب مختلف الأنشطة التجارية التي تشهد زيادة ملحوظة في الطلب خلال فترة إقامة الموسم.

وبذلك، يواصل موسم البلدة ترسيخ مكانته كحدث تراثي وسياحي محوري في اليمن، إذ يتجاوز كونه ظاهرة صيفية عابرة ليصبح نموذجًا تطبيقيًّا تتقاطع فيه الذاكرة الشعبية مع الحركة الاقتصادية.

"ريف اليمن"