> "الأيام" غرفة الأخبار:

كشفت دراسة تحليلية حديثة أن التحولات العسكرية والأمنية التي شهدتها محافظة حضرموت منذ مطلع عام 2026 تزامنت مع مؤشرات على تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة في جنوب اليمن، معتبرة أن التغيرات الميدانية التي أعقبت تلك الأحداث أوجدت بيئة أمنية أكثر هشاشة سمحت بإعادة تموضع تلك التنظيمات واستئناف جزء من أنشطتها بعد سنوات من التراجع.

وأضافت الدراسة، التي نشرها مركز سوث24، أن المشهد الأمني في جنوب اليمن دخل مرحلة جديدة عقب التطورات التي شهدتها حضرموت، مشيرة إلى أن هذه المتغيرات ترافقت مع فراغات أمنية وإعادة توزيع للقوات في عدد من المحافظات، وهو ما انعكس – بحسب الدراسة – على مستوى النشاط الذي أظهرته الجماعات المصنفة إرهابية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

وأوضحت الدراسة أن ملف مكافحة الإرهاب شهد خلال السنوات الأخيرة تراجعاً في مستوى الاهتمام الدولي مقارنة بالمراحل السابقة، لافتة إلى انخفاض وتيرة الانخراط الأمريكي المباشر في هذا الملف منذ عام 2019، سواء عبر الضربات الجوية أو العمليات الميدانية، مقابل تصاعد دور الشركاء الإقليميين في جمع المعلومات الاستخباراتية ودعم العمليات الأمنية التي استهدفت قيادات وعناصر التنظيم في محافظات جنوب وشرق اليمن.

ورأت الدراسة أن الضغوط العسكرية والاستخباراتية التي تعرض لها تنظيم القاعدة خلال الأعوام الماضية أضعفت بنيته القيادية وقلصت من قدرته على تنفيذ العمليات، إلا أنها لم تؤد إلى إنهاء وجوده بصورة كاملة، إذ احتفظ – وفقاً للدراسة – بشبكات محلية وخلايا كامنة مكنته من الحفاظ على قدر من المرونة التنظيمية، واستغلال أي متغيرات أمنية لإعادة ترتيب صفوفه.

كما أشارت الدراسة إلى استمرار ظهور عناصر مرتبطة بتنظيم "داعش" في بعض المناطق، خصوصاً في محافظة البيضاء، معتبرة أن استمرار وجود تلك العناصر يعكس بقاء التحديات الأمنية المرتبطة بالتنظيمات المتشددة رغم تراجع نشاطها مقارنة بالسنوات السابقة.

وفي السياق ذاته، قالت الدراسة إن تراجع الاهتمام الدولي بملف الإرهاب تزامن مع تحديات داخلية تتعلق بضعف التنسيق بين مكونات السلطة الشرعية، وهو ما انعكس على جهود مكافحة الإرهاب، معتبرة أن استمرار الانقسامات السياسية والعسكرية يخلق ظروفاً قد تستفيد منها التنظيمات المسلحة لإعادة تنشيط أنشطتها.

وفيما يتعلق بالتطورات الميدانية، رصدت الدراسة ما وصفته بعودة تدريجية لنشاط الجماعات المتطرفة منذ بداية عام 2026، مشيرة إلى أن التنظيمات استغلت انشغال القوى العسكرية بإعادة ترتيب أوضاعها، ما أتاح لها مساحة أوسع للحركة في عدد من المحافظات.

وقالت الدراسة إن محافظة حضرموت شهدت خلال يناير 2026 أحداثاً أمنية صاحبتها عمليات نهب لمخازن أسلحة ومعسكرات عسكرية، الأمر الذي أدى إلى تسرب كميات من الأسلحة إلى جهات غير نظامية، معتبرة أن انتشار السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية يمثل أحد أبرز التحديات الأمنية التي برزت بعد تلك التطورات.

وأضافت أن مصادر ميدانية رصدت تحركات لعناصر مسلحة في مناطق من وادي حضرموت، إلى جانب مديريات في محافظة شبوة، بينها المصينعة ووادي خورة والروضة وعزان وحطيب، معتبرة أن هذه التحركات تعكس محاولات لإعادة الانتشار في ظل انشغال القوى العسكرية بالتطورات السياسية والأمنية.

كما لفتت الدراسة إلى حادثة استهداف شخص يحمل الجنسية الصومالية بطائرة مسيرة في محافظة المهرة، وسط شبهات بارتباطه بحركة الشباب الصومالية، معتبرة أن الواقعة تعكس مخاوف من تنامي نشاط الشبكات العابرة للحدود في المناطق الساحلية والحدودية.

وعلى صعيد العمليات الميدانية، قالت الدراسة إن الأشهر الماضية شهدت سلسلة من الهجمات التي استهدفت قوات أمنية وعسكرية في محافظات حضرموت وعدن وأبين، من بينها هجوم بطائرة مسيرة استهدف قوات متمركزة في منطقة العبر، إضافة إلى استهداف موكب قائد عسكري في عدن، وهجمات أخرى استهدفت نقاطاً أمنية في أبين.

كما أشارت إلى مقتل الصحفي محمد العيظة في مدينة المكلا في يونيو 2026 بانفجار عبوة ناسفة، إلى جانب ظهور تسجيلات مصورة لعناصر يعتقد بانتمائها لتنظيم القاعدة في بعض مناطق حضرموت، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس محاولة التنظيم إعادة إظهار حضوره الإعلامي والميداني.

وفي جانب آخر، تناولت الدراسة ما وصفته بإعادة تنشيط الخطاب الدعائي للتنظيم، مشيرة إلى نشر تسجيلات صوتية ورسائل إعلامية نسبت إلى قيادات في تنظيم القاعدة تضمنت دعوات لاستهداف القوات الجنوبية، معتبرة أن هذه الرسائل تستهدف تحفيز الخلايا النائمة وإعادة تنشيط عمليات التجنيد في ظل المتغيرات الأمنية الأخيرة.

كما تطرقت الدراسة إلى تطورات التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، مستندة إلى تقارير أممية تحدثت عن تصاعد التنسيق بين الطرفين في مجالات التهريب وتبادل الأسلحة والخبرات العسكرية، معتبرة أن هذا التطور يزيد من تعقيد المشهد الأمني في جنوب اليمن، خصوصاً في المناطق الساحلية المطلة على بحر العرب وخليج عدن.

وفي ملف آخر، أشارت الدراسة إلى الجدل الذي رافق اتفاق تبادل الأسرى بين الحكومة اليمنية والحوثيين، بعد إدراج أسماء متهمين في قضايا إرهابية واغتيالات ضمن قوائم التبادل، وهو ما أثار اعتراضات في عدد من المحافظات الجنوبية، وسط مطالب بالفصل بين ملفات الإرهاب وملفات أسرى النزاع.

ورأت الدراسة أن إدراج متهمين أو مدانين في قضايا إرهابية ضمن اتفاقات تبادل الأسرى يثير إشكالات قانونية وأمنية، وقد يؤثر على جهود العدالة ويمنح بعض العناصر فرصة للعودة إلى النشاط، داعية إلى مراعاة المعايير القانونية عند التعامل مع هذا النوع من القضايا.

وفي تقييمها للمرحلة المقبلة، اعتبرت الدراسة أن استمرار الانقسامات الداخلية وغياب استراتيجية موحدة لمكافحة الإرهاب قد يوفران فرصاً إضافية للجماعات المتطرفة لإعادة بناء قدراتها، محذرة من أن التهديدات لم تعد تقتصر على استهداف القيادات الأمنية، بل قد تمتد إلى المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك قطاعا النفط والغاز والممرات البحرية.

وخلصت الدراسة إلى أن التطورات الأمنية التي أعقبت أحداث حضرموت أسهمت، وفق قراءتها، في إعادة تشكيل البيئة الأمنية في جنوب اليمن، الأمر الذي انعكس على نشاط الجماعات المتطرفة، مؤكدة أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعزيز التنسيق الأمني، ودعم القدرات المحلية، والحفاظ على الفصل بين قضايا الإرهاب والتسويات السياسية، بما يسهم في الحد من مخاطر عودة التنظيمات المسلحة وتأثيرها على الأمن والاستقرار المحلي والإقليمي.