لم تعد أزمة باب المندب مجرد قضية لحماية الملاحة، بل أصبحت معركة على السيطرة على الجغرافيا، حيث يشكل الساحل الغربي لليمن مفتاح الأمن البحري، والردع الإقليمي، واستقرار التجارة العالمية. 
  • من يمتلك الساحل... يمتلك التأثير على البحر 
تشهد منطقة البحر الأحمر تحولات استراتيجية متسارعة تؤكد أن أمن هذا الممر البحري الحيوي لم يعد قضية تقتصر على حماية السفن أو تأمين خطوط الملاحة، بل أصبح جزءًا من معادلة أمنية وجيوسياسية أشمل، تتداخل فيها الأزمة اليمنية مع أمن الطاقة الإقليمي، واستقرار التجارة العالمية، وتوازنات الردع على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، يرى عدد من المراقبين العسكريين والاستراتيجيين أن باب المندب لم يعد مجرد مضيق بحري ذي أهمية جغرافية، بل تحول إلى إحدى أدوات الردع غير المباشر التي تستخدمها إيران عبر وكلائها في المنطقة، بما يمنح الأزمات المحلية أبعادًا تتجاوز حدودها الوطنية لتنعكس على الاقتصاد العالمي بأسره.

غير أن فهم هذه المعادلة يقتضي التوقف عند حقيقة استراتيجية كثيرًا ما تغيب عن النقاش. 
  • تسليح الجغرافيا... مصدر القوة الحقيقي 
لا تهدد ميليشيا الحوثي أحد أهم الممرات البحرية في العالم لأنها تمتلك قوة بحرية متفوقة، ولا لأنها تفرض سيطرتها على البحر، بل لأنها ما تزال تسيطر على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن.

إن مصدر نفوذها الحقيقي لا يكمن في البحر، بل في اليابسة.

لقد نجحت الميليشيا في تحويل الجغرافيا إلى أداة للإكراه الاستراتيجي، بحيث أصبحت السيطرة على الساحل تمنحها القدرة على تهديد الملاحة الدولية، واستهداف خطوط إمدادات الطاقة، والتأثير في حركة التجارة العالمية كلما تصاعدت التوترات الإقليمية.

وهذه حقيقة تستحق التأمل؛ فالجغرافيا لا تتحول إلى مصدر للقوة بذاتها، وإنما عندما تقترن بالسيطرة السياسية والعسكرية عليها. 
  • الدوائر الثلاث للردع 
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم أزمة باب المندب من خلال ما أسميه «الدوائر الثلاث للردع».

تتمثل الدائرة الأولى في الداخل اليمني، حيث يبقى استعادة الدولة لسلطتها الشرعية على كامل أراضيها الشرط الأساسي لإنهاء قدرة الميليشيا على استخدام الساحل منصةً للتهديد.

أما الدائرة الثانية فهي الدائرة الإقليمية، التي تتمثل في حماية أمن الطاقة وصادرات النفط الخليجية، ومنع تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ضغط على دول المنطقة.

في حين تمثل الدائرة الثالثة البعد الدولي، المتمثل في حماية حرية الملاحة، واستقرار التجارة العالمية، وصون أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.

ولا تعمل هذه الدوائر بصورة منفصلة، بل تشكل منظومة استراتيجية متكاملة، يضعف أي عنصر فيها إذا غاب العنصران الآخران. 
  • حدود القوة الجوية والبحرية
لقد أكدت العمليات العسكرية خلال الفترة الماضية درسًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.

فالقوة الجوية تستطيع استنزاف القدرات العسكرية وإضعاف البنية القتالية للخصم، كما تستطيع القوة البحرية حماية خطوط الملاحة وتأمين حركة السفن ودعم العمليات العسكرية.

غير أن أيًا منهما لا يستطيع، بمفرده، إعادة تشكيل الواقع السياسي والعسكري على الأرض.

فالطائرات تستطيع تدمير الأهداف، لكنها لا تستطيع أن تحكم المدن، أو تدير السواحل، أو تعيد بناء سلطة الدولة.

ولهذا، فإن أي استراتيجية تهدف إلى تحقيق أمن دائم في البحر الأحمر لا يمكن أن تعتمد على القوة الجوية والبحرية وحدهما، بل تحتاج إلى قوات يمنية شرعية وقادرة على استعادة السيطرة على المناطق التي تنطلق منها عمليات التهديد والإكراه البحري.

وقد أثبتت التجارب الأخيرة أن الحملات الجوية والبحرية، رغم ما ألحقته من خسائر معتبرة بالقدرات العسكرية للميليشيا، لم تتمكن من تغيير ميزان القوى بصورة دائمة، لأن الضغط العسكري لم يترافق مع جهد موازٍ لاستعادة سلطة الدولة على الأرض. 
  • الساحل... مركز الثقل الاستراتيجي 
إذا كان الهدف هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى تحقيق أمن مستدام في البحر الأحمر، فإن استعادة سيطرة الدولة اليمنية على الساحل الغربي، وفي مقدمته محافظة الحديدة، تصبح الهدف الاستراتيجي الحاسم.

فالاعتداءات التي طالت الممرات البحرية، وكذلك محاولات استهداف البنية التحتية البديلة لصادرات الطاقة، تؤكد أن حماية السفن وحدها لا تكفي، ما دامت القاعدة الجغرافية التي تنطلق منها أدوات الإكراه ما تزال قائمة.

ومن هنا، فإن المهمة لا تقتصر على استعادة أراضٍ أو مدن، وإنما تتمثل في إزالة الأساس الجغرافي الذي يمكّن الميليشيا من تهديد باب المندب، وتعطيل التجارة الدولية، والتأثير في معادلات الردع الإقليمي والدولي.

فمركز الثقل الحقيقي في معادلة أمن البحر الأحمر لا يكمن في البحر وحده، بل في الساحل الذي يشرف عليه.

ومن يسيطر على الساحل، يمتلك القدرة على التأثير في البحر. 
  • من إدارة الأزمات إلى بناء الأمن المستدام 
غير أن بناء أمن مستدام لا يقتصر على استعادة السيطرة على الساحل، بل يتطلب أيضًا رؤية استراتيجية أشمل تقوم على تعزيز مرونة منظومة الطاقة والتجارة الدولية، من خلال تنويع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد المطلق على نقاط الاختناق البحرية.

فكلما ازدادت بدائل النقل والتصدير، تراجعت قدرة أي طرف على استخدام الجغرافيا وسيلةً للابتزاز أو الإكراه الاستراتيجي.

لقد كشفت أزمة باب المندب عن حقيقة استراتيجية تتجاوز حدود اليمن، وهي أن الجغرافيا لا تصبح مصدر قوة في ذاتها، وإنما تتحول إلى قوة عندما تقترن بالسيطرة السياسية والعسكرية عليها.

ومن هنا، فإن أمن البحر الأحمر لا يبدأ من عرض البحر، بل يبدأ من الساحل الذي يشرف عليه. فحرية الملاحة ليست نتاج التفوق البحري أو الجوي وحده، بل هي، في جوهرها، ثمرة لسيادة الدولة على سواحلها، وبسط سلطتها على الأرض التي تنطلق منها معادلات الأمن أو التهديد.