قلنا ذات ورشة عمل سياسي أن التصالح والتسامح الجنوبي ينبغي أن يصبح ثقافة نعيشها في حياتنا اليومية لتتحول من مبادرة نخبوية إلى سلوك شعبي عام.

استشهدنا يومها برواندا التي عاشت أعنف صراع شهد تصفيات عرقية ذهب ضحيتها مليون إنسان خلال أربعة اشهر فقط، بمن فيهم النساء الحوامل والأطفال، ومع ذلك تغلبت رواندا على جراحها وتجاوزت آثار مأساتها في سنوات قليلة لتصبح عنوان أفريقيا المزدهر جعلها تحمل لقب (سويسرا الأفريقية).

تم ذلك لرواندا بفضل عاملان اثنان، أولهما وجود قيادة تجاوزت روح الانتقام ونظرت إلى رواندا الوطن بدلا من النظرة الضيقة تجاه العرق أو المنطقة، وثانيهما أن التصالح الرواندي وصل إلى مستوى الجيران في الحارة الواحدة بحيث اعتبر هؤلاء الجيران أن كل الضحايا كانوا نتاج لصراع مجنون يجب أن لا يتكرر مرة أخرى.

يومذاك اعتبر بعض زملاء الورشة السياسية الجنوبية أن التسامح الجنوبي استنفذ مهمته بل أن البعض شرع في استدعاء ثقافة التكفير السياسي التي عصفت بالجنوب منذ ما قبل 1967م وذهب ضحيتها خيرة رجالاته بين شهيد ومشرد، وقلنا يومها بالفم المليان (إن المساحات السوداء في المجتمع التي لا نصل إليها سيستخدمها الخصوم) وهذا ما حصل بعد ذلك.

واليوم نعيش حالة مخاض، جديد قديم، نادينا به بالأمس ويرفضه بعضنا اليوم وهو الحوار الجنوبي، وكان ديدن لكل القوى الجنوبية بوصف الحوار ثقافة مستمرة وليس حالة انفعالية أو مشروع نخبوي صرف بل حوار مفتوح في كل جغرافيا الجنوب بدون (تابو) من أي طرف كان.

وجدير بالذكر أن الحوار الجنوبي الذي تبناه المجلس الانتقالي الجنوبي خلال عام 2018م كان سيؤتي أكلا مذهلة لولا أن تم إحباط نتائجه بفعل فاعل مجهول بأحداث يناير 2019م، ويبدو أن شؤم يناير على الجنوب لا زال يفعل فعله.

التسامح والحوار ثقافتان أساسيتان لأي مجتمع ناجح ومستقر وإذا لم نقر بذلك ونجسده في حياتنا اليومية فسنظل في المربع الأخير إلى أن يقيض الله تعالى لهذا الوطن أجيال تعيد لهاتين الثقافتين اعتبارهما.

والسلام ختام.