> مختار الدبابي:
لم يعد استهداف السعودية مجرد رسالة عسكرية مرتبطة بحسابات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة أو بتداعيات الحرب الأخيرة، بل أصبح نقطة تحول في علاقة طهران بجوارها الخليجي. فكل صاروخ أو طائرة مسيرة تنطلق من اليمن أو العراق باتجاه الأراضي السعودية لا يضيف ورقة ضغط جديدة إلى يد إيران، بقدر ما يسرّع انتقال دول الخليج من سياسة احتواء طهران إلى سياسة الحد من نفوذها، وربما إلى بناء استراتيجية جماعية لعزلها إقليميا.
وتبدو الهجمات التي تنفذها الميليشيات الموالية لطهران عاملا لتوحيد الموقف الخليجي أكثر مما يمكن أن تحققه أي مبادرة سياسية، إذ تدفع، على نحو متزايد، إلى تقليص النفوذ الإيراني وخلق مناخ إقليمي أكثر تشددا في التعامل معه. والمفارقة أن سياسة توسيع النفوذ بالقوة قد تتحول إلى العامل الأكثر تأثيرا في إنتاج عزلة إقليمية جديدة لإيران.
فالنفوذ الإقليمي لا يقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل بعدد الشركاء المستعدين للدفاع عن مصالح مشتركة. وكلما ازداد الاعتماد على القوة، تقلصت القدرة على بناء هذا النوع من الشراكات.
وهذه هي المفارقة التي قد لا تكون القيادة الإيرانية قد حسبت نتائجها كاملة. فمنذ سنوات، كانت السعودية تمثل الطرف الخليجي الأكثر إصرارا على منح الحوار مع إيران فرصة، انطلاقا من قناعة بأن أمن الخليج لا يمكن أن يبنى على الحروب المفتوحة أو على التدخلات الأجنبية وحدها، بل على تفاهمات إقليمية بين دول المنطقة نفسها. لكن استمرار الهجمات التي تنفذها الميليشيات المرتبطة بطهران يهدد بإسقاط هذا الرهان تدريجيا.
وتكتسب الهجمات الأخيرة دلالة خاصة لأنها جاءت بعد مواقف خليجية واضحة تجاه استهداف الكويت والبحرين، بما يوحي بأن الرسالة الإيرانية لا تستهدف السعودية وحدها، وإنما تختبر أيضا مدى استعداد مجلس التعاون الخليجي للدفاع الجماعي عن أعضائه، ومنع تحويل الاعتداء على أي دولة خليجية إلى أمر اعتيادي يمكن التعايش معه.
ومن هذه الزاوية، تبدو محاولة تشتيت الضغط على السعودية عبر جبهتين، جنوبية من اليمن وشمالية من العراق، أقرب إلى محاولة لفرض معادلة أمنية جديدة يكون فيها التهديد العسكري وسيلة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
غير أن التجارب الحديثة في الشرق الأوسط لا تدعم مثل هذا الرهان. فالمنطقة قدمت خلال العقود الماضية دليلا واضحا على أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي لبناء شرعية إقليمية أو فرض قبول سياسي دائم. ويبدو أن طهران تراهن على إمكانية فرض وقائع أمنية جديدة في محيطها من دون أن تتحمل كلفة سياسية موازية، غير أن تجارب المنطقة تشير إلى أن التفوق العسكري وحده لم يكن كافيا، لا لإسرائيل ولا لغيرها، لبناء شرعية إقليمية أو فرض قبول سياسي دائم.
ولعل التجربة الإسرائيلية تقدم المثال الأكثر وضوحا. فرغم التفوق العسكري الإسرائيلي، لم تنجح تل أبيب في فرض التطبيع بالقوة على محيطها العربي. وحتى الاتفاقيات الإبراهيمية لم تكن ثمرة ضغط عسكري، بل جاءت ضمن ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، وبرعاية أميركية، واستندت إلى وعود إسرائيلية بفتح أفق سياسي للقضية الفلسطينية وتعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي.
ومع تعثر تلك الوعود واستمرار الحرب في غزة، دخل مسار الاتفاقيات الإبراهيمية مرحلة من الجمود، بما يؤكد أن السلام الذي لا يستند إلى تسويات سياسية قابلة للحياة يظل هشا وقابلا للتراجع.
ولهذا يصعب تصور أن تنجح إيران في تحقيق ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه، أي فرض شكل من أشكال القبول الإقليمي بنفوذها عبر سياسة التهديد المستمر أو استخدام الوكلاء العسكريين.
ولعل هذا يدفع إلى استحضار الملاحظة الشهيرة لابن خلدون بأن “المغلوب مولع بتقليد الغالب”، ليس بمعناها الحرفي، وإنما بوصفها مدخلا لفهم انتقال بعض القوى الإقليمية إلى تبني أنماط السلوك التي اعتقدت طويلا أنها ترفضها.
فإيران، التي بنت جزءا كبيرا من خطابها السياسي على معارضة السياسات الإسرائيلية، تبدو اليوم وكأنها تراهن، هي الأخرى، على فرض وقائع أمنية بالقوة، وعلى الاعتقاد بأن التفوق العسكري أو استخدام الوكلاء يمكن أن يفرض على الجوار قبولا سياسيا تدريجيا. غير أن التجربة الإسرائيلية نفسها تثبت العكس؛ فالتفوق العسكري لم ينجح في إنتاج اندماج طبيعي داخل الإقليم، ولا في تحويل القوة إلى قبول سياسي دائم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يمكن لدول الخليج، أو للأردن، أو لسوريا مستقبلا، أو حتى لمصر، أن تبني علاقة طبيعية مع إيران وهي تتعرض، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لضغوط أمنية مصدرها الحرس الثوري أو الميليشيات الحليفة له في العراق واليمن؟ وهل يمكن بناء الثقة في ظل استمرار خطاب "تصدير الثورة" واستخدام الأذرع المسلحة أداة لتحقيق أهداف السياسة الإقليمية؟
الإجابة تبدو واضحة. فالدول قد تدخل أحيانا في مفاوضات تحت الضغط، لكنها لا تبني شراكات استراتيجية في ظل انعدام الثقة. والاستقرار الإقليمي لا يقوم على توازن الخوف وحده، بل على وجود حد أدنى من الاطمئنان المتبادل واحترام سيادة الدول.
ومن هنا، فإن أخطر ما قد يترتب على استهداف السعودية ليس الرد العسكري المباشر، وإنما إعادة تشكيل البيئة السياسية في الخليج تجاه إيران.
وإذا كانت طهران قد نجحت خلال الأعوام الماضية في كسر جزء من عزلتها عبر الاتفاق مع السعودية، وإعادة فتح قنوات الاتصال مع عدد من العواصم الخليجية، فإن استمرار الهجمات قد يعيد المنطقة إلى نقطة الصفر، بل ربما إلى ما هو أبعد من ذلك.
ذلك أن الحرب الأخيرة كشفت، بالنسبة إلى كثير من العواصم الخليجية، أن أدوات النفوذ الإيرانية لم تتغير، وأن الميليشيات ما زالت تمثل إحدى أدوات السياسة الإقليمية الإيرانية، وليست مجرد فاعلين محليين خارج سيطرة الدولة.
وهذا الإدراك ستكون له نتائج استراتيجية بعيدة المدى. فمن المرجح أن تعيد دول الخليج تقييم فرضيات الانفتاح على إيران، وأن تنتقل تدريجيا من سياسة استيعابها إلى سياسة احتواء نفوذها، مع تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي داخل مجلس التعاون، وتشديد الرقابة على شبكات التمويل والتهريب التي تعتمد عليها الجماعات الموالية لطهران.
كما أن استهداف السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي، ولا سيما منشآتها النفطية، يبعث برسالة مقلقة إلى بقية دول المنطقة مفادها أن أي دولة خليجية قد تصبح هدفا، بمن في ذلك الدول التي احتفظت بعلاقات أكثر توازنا مع طهران أو لعبت أدوارا في الوساطة وتخفيف التوتر. فالمساس بأمن المملكة لا يُنظر إليه باعتباره قضية ثنائية، بل باعتباره تهديدا مباشرا لمنظومة الأمن الخليجي برمتها.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الأمني. فإيران لا تملك بدائل اقتصادية حقيقية عن محيطها الخليجي. فهي تواجه أصلا عقوبات أميركية واسعة، وتعتمد على هوامش الحركة التي تتيحها التجارة الإقليمية والعلاقات مع بعض الدول المجاورة. وإذا انتهت دول الخليج إلى تطبيق أكثر تشددا للعقوبات الأميركية، وإلى تضييق القنوات المالية والتجارية، فإن الكلفة الاقتصادية على إيران ستكون أكبر بكثير من أي مكاسب عسكرية قد تحققها الميليشيات على الأرض.
ولعل اللافت أن هذا التحول قد يشمل حتى الدول التي حافظت على علاقات متوازنة مع طهران، مثل سلطنة عمان وقطر. فهذه الدول لم تكن بمنأى عن تداعيات السياسات الإيرانية، رغم تبنيها نهج الحوار والاحتواء، وهو ما قد يدفعها إلى الاقتراب أكثر من الموقف الخليجي الجماعي إذا استمرت الهجمات واتسعت المخاوف من امتدادها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فبدلا من أن تؤدي سياسة الضغط العسكري إلى توسيع النفوذ الإيراني، قد تصبح عاملا في إعادة بناء جبهة خليجية أكثر تماسكا، وفي تقليص هامش المناورة السياسية الذي نجحت طهران في توسيعه خلال السنوات الأخيرة.
لقد كانت السعودية، حتى وقت قريب، الأكثر إصرارا على منح الحوار مع إيران فرصة، انطلاقا من قناعة بأن أمن الخليج يصنعه تفاهم إقليمي لا صراع دائم. لكن استمرار الهجمات يضعف هذا الرهان، ويعزز الاعتقاد بأن المشكلة لم تكن في غياب الحوار، بل في غياب التزام إيراني ثابت بقواعده واحترام سيادة الدول وعدم استخدام الميليشيات أدوات للضغط السياسي والعسكري.
وفي النهاية، قد لا تكون أخطر نتائج استهداف السعودية عسكرية أو أمنية، بل سياسية وإستراتيجية. فالقوة تستطيع تغيير موازين ميدانية مؤقتة، لكنها لا تصنع شرعية إقليمية، ولا تبني ثقة، ولا تفرض تطبيعا مع الجوار.
وهذا هو الدرس الذي لم تستطع إسرائيل تجاوزه رغم تفوقها العسكري، وهو الدرس نفسه الذي قد تكتشفه إيران إذا واصلت إدارة علاقاتها مع الخليج بمنطق الضغط والتهديد. وعندها ستكون قد صنعت، بيدها، النتيجة التي حاولت تفاديها طوال سنوات: الانتقال من سياسة كسر العزلة إلى إنتاج عزلة إقليمية جديدة، أشد عمقا وأطول أثرا، لأن الجوار الذي كان يراهن على الحوار سيصبح أكثر اقتناعا بأن الاحتواء لم يعد كافيا، وأن الرد الجماعي هو الخيار الوحيد لحماية أمنه واستقراره.
عن "العرب اللندنية"
وتبدو الهجمات التي تنفذها الميليشيات الموالية لطهران عاملا لتوحيد الموقف الخليجي أكثر مما يمكن أن تحققه أي مبادرة سياسية، إذ تدفع، على نحو متزايد، إلى تقليص النفوذ الإيراني وخلق مناخ إقليمي أكثر تشددا في التعامل معه. والمفارقة أن سياسة توسيع النفوذ بالقوة قد تتحول إلى العامل الأكثر تأثيرا في إنتاج عزلة إقليمية جديدة لإيران.
فالنفوذ الإقليمي لا يقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل بعدد الشركاء المستعدين للدفاع عن مصالح مشتركة. وكلما ازداد الاعتماد على القوة، تقلصت القدرة على بناء هذا النوع من الشراكات.
وهذه هي المفارقة التي قد لا تكون القيادة الإيرانية قد حسبت نتائجها كاملة. فمنذ سنوات، كانت السعودية تمثل الطرف الخليجي الأكثر إصرارا على منح الحوار مع إيران فرصة، انطلاقا من قناعة بأن أمن الخليج لا يمكن أن يبنى على الحروب المفتوحة أو على التدخلات الأجنبية وحدها، بل على تفاهمات إقليمية بين دول المنطقة نفسها. لكن استمرار الهجمات التي تنفذها الميليشيات المرتبطة بطهران يهدد بإسقاط هذا الرهان تدريجيا.
وتكتسب الهجمات الأخيرة دلالة خاصة لأنها جاءت بعد مواقف خليجية واضحة تجاه استهداف الكويت والبحرين، بما يوحي بأن الرسالة الإيرانية لا تستهدف السعودية وحدها، وإنما تختبر أيضا مدى استعداد مجلس التعاون الخليجي للدفاع الجماعي عن أعضائه، ومنع تحويل الاعتداء على أي دولة خليجية إلى أمر اعتيادي يمكن التعايش معه.
ومن هذه الزاوية، تبدو محاولة تشتيت الضغط على السعودية عبر جبهتين، جنوبية من اليمن وشمالية من العراق، أقرب إلى محاولة لفرض معادلة أمنية جديدة يكون فيها التهديد العسكري وسيلة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
غير أن التجارب الحديثة في الشرق الأوسط لا تدعم مثل هذا الرهان. فالمنطقة قدمت خلال العقود الماضية دليلا واضحا على أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي لبناء شرعية إقليمية أو فرض قبول سياسي دائم. ويبدو أن طهران تراهن على إمكانية فرض وقائع أمنية جديدة في محيطها من دون أن تتحمل كلفة سياسية موازية، غير أن تجارب المنطقة تشير إلى أن التفوق العسكري وحده لم يكن كافيا، لا لإسرائيل ولا لغيرها، لبناء شرعية إقليمية أو فرض قبول سياسي دائم.
ولعل التجربة الإسرائيلية تقدم المثال الأكثر وضوحا. فرغم التفوق العسكري الإسرائيلي، لم تنجح تل أبيب في فرض التطبيع بالقوة على محيطها العربي. وحتى الاتفاقيات الإبراهيمية لم تكن ثمرة ضغط عسكري، بل جاءت ضمن ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، وبرعاية أميركية، واستندت إلى وعود إسرائيلية بفتح أفق سياسي للقضية الفلسطينية وتعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي.
ومع تعثر تلك الوعود واستمرار الحرب في غزة، دخل مسار الاتفاقيات الإبراهيمية مرحلة من الجمود، بما يؤكد أن السلام الذي لا يستند إلى تسويات سياسية قابلة للحياة يظل هشا وقابلا للتراجع.
ولهذا يصعب تصور أن تنجح إيران في تحقيق ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه، أي فرض شكل من أشكال القبول الإقليمي بنفوذها عبر سياسة التهديد المستمر أو استخدام الوكلاء العسكريين.
ولعل هذا يدفع إلى استحضار الملاحظة الشهيرة لابن خلدون بأن “المغلوب مولع بتقليد الغالب”، ليس بمعناها الحرفي، وإنما بوصفها مدخلا لفهم انتقال بعض القوى الإقليمية إلى تبني أنماط السلوك التي اعتقدت طويلا أنها ترفضها.
فإيران، التي بنت جزءا كبيرا من خطابها السياسي على معارضة السياسات الإسرائيلية، تبدو اليوم وكأنها تراهن، هي الأخرى، على فرض وقائع أمنية بالقوة، وعلى الاعتقاد بأن التفوق العسكري أو استخدام الوكلاء يمكن أن يفرض على الجوار قبولا سياسيا تدريجيا. غير أن التجربة الإسرائيلية نفسها تثبت العكس؛ فالتفوق العسكري لم ينجح في إنتاج اندماج طبيعي داخل الإقليم، ولا في تحويل القوة إلى قبول سياسي دائم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يمكن لدول الخليج، أو للأردن، أو لسوريا مستقبلا، أو حتى لمصر، أن تبني علاقة طبيعية مع إيران وهي تتعرض، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لضغوط أمنية مصدرها الحرس الثوري أو الميليشيات الحليفة له في العراق واليمن؟ وهل يمكن بناء الثقة في ظل استمرار خطاب "تصدير الثورة" واستخدام الأذرع المسلحة أداة لتحقيق أهداف السياسة الإقليمية؟
الإجابة تبدو واضحة. فالدول قد تدخل أحيانا في مفاوضات تحت الضغط، لكنها لا تبني شراكات استراتيجية في ظل انعدام الثقة. والاستقرار الإقليمي لا يقوم على توازن الخوف وحده، بل على وجود حد أدنى من الاطمئنان المتبادل واحترام سيادة الدول.
ومن هنا، فإن أخطر ما قد يترتب على استهداف السعودية ليس الرد العسكري المباشر، وإنما إعادة تشكيل البيئة السياسية في الخليج تجاه إيران.
وإذا كانت طهران قد نجحت خلال الأعوام الماضية في كسر جزء من عزلتها عبر الاتفاق مع السعودية، وإعادة فتح قنوات الاتصال مع عدد من العواصم الخليجية، فإن استمرار الهجمات قد يعيد المنطقة إلى نقطة الصفر، بل ربما إلى ما هو أبعد من ذلك.
ذلك أن الحرب الأخيرة كشفت، بالنسبة إلى كثير من العواصم الخليجية، أن أدوات النفوذ الإيرانية لم تتغير، وأن الميليشيات ما زالت تمثل إحدى أدوات السياسة الإقليمية الإيرانية، وليست مجرد فاعلين محليين خارج سيطرة الدولة.
وهذا الإدراك ستكون له نتائج استراتيجية بعيدة المدى. فمن المرجح أن تعيد دول الخليج تقييم فرضيات الانفتاح على إيران، وأن تنتقل تدريجيا من سياسة استيعابها إلى سياسة احتواء نفوذها، مع تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي داخل مجلس التعاون، وتشديد الرقابة على شبكات التمويل والتهريب التي تعتمد عليها الجماعات الموالية لطهران.
كما أن استهداف السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي، ولا سيما منشآتها النفطية، يبعث برسالة مقلقة إلى بقية دول المنطقة مفادها أن أي دولة خليجية قد تصبح هدفا، بمن في ذلك الدول التي احتفظت بعلاقات أكثر توازنا مع طهران أو لعبت أدوارا في الوساطة وتخفيف التوتر. فالمساس بأمن المملكة لا يُنظر إليه باعتباره قضية ثنائية، بل باعتباره تهديدا مباشرا لمنظومة الأمن الخليجي برمتها.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الأمني. فإيران لا تملك بدائل اقتصادية حقيقية عن محيطها الخليجي. فهي تواجه أصلا عقوبات أميركية واسعة، وتعتمد على هوامش الحركة التي تتيحها التجارة الإقليمية والعلاقات مع بعض الدول المجاورة. وإذا انتهت دول الخليج إلى تطبيق أكثر تشددا للعقوبات الأميركية، وإلى تضييق القنوات المالية والتجارية، فإن الكلفة الاقتصادية على إيران ستكون أكبر بكثير من أي مكاسب عسكرية قد تحققها الميليشيات على الأرض.
ولعل اللافت أن هذا التحول قد يشمل حتى الدول التي حافظت على علاقات متوازنة مع طهران، مثل سلطنة عمان وقطر. فهذه الدول لم تكن بمنأى عن تداعيات السياسات الإيرانية، رغم تبنيها نهج الحوار والاحتواء، وهو ما قد يدفعها إلى الاقتراب أكثر من الموقف الخليجي الجماعي إذا استمرت الهجمات واتسعت المخاوف من امتدادها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فبدلا من أن تؤدي سياسة الضغط العسكري إلى توسيع النفوذ الإيراني، قد تصبح عاملا في إعادة بناء جبهة خليجية أكثر تماسكا، وفي تقليص هامش المناورة السياسية الذي نجحت طهران في توسيعه خلال السنوات الأخيرة.
لقد كانت السعودية، حتى وقت قريب، الأكثر إصرارا على منح الحوار مع إيران فرصة، انطلاقا من قناعة بأن أمن الخليج يصنعه تفاهم إقليمي لا صراع دائم. لكن استمرار الهجمات يضعف هذا الرهان، ويعزز الاعتقاد بأن المشكلة لم تكن في غياب الحوار، بل في غياب التزام إيراني ثابت بقواعده واحترام سيادة الدول وعدم استخدام الميليشيات أدوات للضغط السياسي والعسكري.
وفي النهاية، قد لا تكون أخطر نتائج استهداف السعودية عسكرية أو أمنية، بل سياسية وإستراتيجية. فالقوة تستطيع تغيير موازين ميدانية مؤقتة، لكنها لا تصنع شرعية إقليمية، ولا تبني ثقة، ولا تفرض تطبيعا مع الجوار.
وهذا هو الدرس الذي لم تستطع إسرائيل تجاوزه رغم تفوقها العسكري، وهو الدرس نفسه الذي قد تكتشفه إيران إذا واصلت إدارة علاقاتها مع الخليج بمنطق الضغط والتهديد. وعندها ستكون قد صنعت، بيدها، النتيجة التي حاولت تفاديها طوال سنوات: الانتقال من سياسة كسر العزلة إلى إنتاج عزلة إقليمية جديدة، أشد عمقا وأطول أثرا، لأن الجوار الذي كان يراهن على الحوار سيصبح أكثر اقتناعا بأن الاحتواء لم يعد كافيا، وأن الرد الجماعي هو الخيار الوحيد لحماية أمنه واستقراره.
عن "العرب اللندنية"

















