أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 08:31 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الهزيمة ليست نهاية المعركة.. لكنها نهاية المكابرة

    د. عبدالله عبدالصمد




    لست مبتهجًا بسقوط الساحل الغربي وغيرها من المناطق بيد جماعة الحوثي الإرهابية، ولا يمكن لعاقل أن يفرح بهزيمة طرف يواجه الحوثيين. لكن الحقيقة يجب أن تُقال بوضوح: لقد حذرنا من دخول بعض أبناء الجنوب هذه الحرب خارج حدودهم، خوفًا عليهم وعلى قضيتهم، وخوفًا من الخيانة والغدر، وقد تعرضوا لذلك فعلًا، رغم التضحيات الكبيرة التي قدمها أبناء الجنوب في الساحل الغربي، والانتصارات التي حققوها في مراحل سابقة.

    لكن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا، خصوصًا بعد أحداث حضرموت. كان واضحًا أن الحوثي هو من قرر الحرب، وخطط لها واستعد لها، بينما بقيت ما تسمى بـ«الشرعية» أسيرة البيانات والمنشورات والانتصارات الوهمية التي تُعلن من الخارج، ومعها مجموعة من المهرجين على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى جاءت الحقيقة من الميدان وأسقطت كل تلك الانتصارات الافتراضية.

    الهزيمة ليست نهاية الحرب، لكنها هزيمة كبيرة تستوجب الاعتراف بها بدل المكابرة. وعلى الرياض أن تدرك أن الاستمرار في السياسة نفسها لن ينتج إلا مزيدًا من الخسائر. والمطلوب اليوم إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية والتحالفات، بعيدًا عن العناد والمكابرة والحسابات القديمة، وبناء شراكة حقيقية مع أبناء الجنوب، وطي صفحة الماضي، وجبر ما لحق بهم من أذى، والتحاور معهم، والقبول ببعضنا بعضًا كشركاء حقيقيين، لا كأدوات مؤقتة في معارك الآخرين.

    الحوثي حقق تقدمًا ونصرًا ميدانيًا، ولن يتوقف عند هذا الحد. ولذلك فإن الاستعداد لما هو قادم أصبح ضرورة، ولكن الأولوية بالنسبة لأبناء الجنوب هي حماية أرضهم وحدودهم، من المهرة إلى باب المندب، وليس الذهاب مرة أخرى إلى معارك خارج حدودهم ثم دفع الثمن دمًا، في ظل احتمالات الخيانة والغدر.

    وهنا تقع المسؤولية على جميع أبناء الجنوب: توحيد الصف، وتجاوز الخلافات، والاستعداد لأي مواجهة قادمة؛ لأن الخطر الحوثي، إذا تحرك باتجاه الجنوب، فلن يفرق بين جنوبي وآخر.

    وفي المقابل، آن الأوان لإسكات أصوات بعض «العضاريط» الذين لا يظهرون إلا لاستفزاز أبناء الجنوب وقضيتهم الجنوبية، وكأن المطلوب من الجنوبي أن يذهب في كل مرة لتحرير الآخرين، ثم يعود محملًا بالتوابيت، بينما أصحاب الأرض يتفرجون من الفنادق والمنصات الإعلامية.

    كم مرة ذهب أبناء الجنوب للقتال من أجل غيرهم؟ وكم مرة دفعوا الدماء؟ وكم مرة كانت النتيجة الغدر والخيانة والتنكر لتضحياتهم؟ لقد أصبحت التجربة أكبر من أن تُنكر أو تُطمس.

    المشكلة ليست في أبناء الجنوب الذين قاتلوا وضحوا، وإنما في عقلية سياسية وعسكرية تعاملت معهم باعتبارهم قوة جاهزة للاستنزاف عند الحاجة، ثم تُدار لهم الظهور عندما تنتهي المهمة.

    لقد أثبتت الأحداث أن الجنوب يحتاج إلى وحدة صف، واستراتيجية وطنية واضحة، وقوة عسكرية وأمنية تحمي أرضه وحدوده، لا إلى الدخول في حروب مفتوحة بالوكالة.

    ومن يريد تحالفًا حقيقيًا مع الجنوب، فعليه أن يحترم الجنوب أولًا، ويحترم قضيته وشعبه وتضحيات أبنائه، وأن يتعامل معه كشريك حقيقي لا كقوة احتياطية تُستدعى عند الحاجة.

    أما زمن استخدام أبناء الجنوب وقودًا لمعركة الآخرين، فقد آن له أن ينتهي.

    الهزيمة ليست نهاية المعركة، لكنها يجب أن تكون نهاية المكابرة. ومن لا يتعلم من الهزائم، سيكررها. ومن لا يحترم شريكه، سيخسر شراكته.

المزيد من مقالات (د. عبدالله عبدالصمد)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال