كل هذه التحشيدات والتهديدات والتصريحات النارية ليست دليلًا على اقتراب ساعة الصفر، بل أدوات ضغط لرفع سقف التفاوض وانتزاع مكاسب سياسية وأمنية جديدة. الجميع يلوح بالسلاح، لكن الجميع يدرك حجم الكارثة إذا انفلت المشهد.

السعودية تعرف جيدًا أن أي حرب جديدة مع الحوثيين لن تكون نزهة، ولن تكون نسخة من حروب الماضي. ضربة واحدة مؤثرة للموانئ أو المطارات أو منشآت الطاقة كفيلة بإرباك الأسواق وإعادة المنطقة إلى مربع التوتر الكبير. وفي ظل هشاشة الممرات البحرية والتوترات الإقليمية، فإن فتح جبهة واسعة مع الحوثيين يبدو آخر ما تحتاجه الرياض اليوم.

والحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن قرار التصعيد اليوم لا يبدو بيد الرياض وحدها، بل إن الحوثيين يمتلكون أوراق ضغط تجعلهم طرفًا أساسيًا في تحديد اتجاه المشهد. فكلما ارتفعت حدة التوتر، ارتفعت قدرة الجماعة على تحسين شروطها السياسية والعسكرية وانتزاع مكاسب أكبر على طاولة التفاوض.

كما أن الحوثيين يُنظر إليهم أنهم الأقرب إلى إيران ضمن محور إقليمي أوسع، وهو ما يمنح أي تصعيد محتمل أبعادًا تتجاوز حدود اليمن نفسها. والخشية الكبرى ليست من المعارك البرية فقط، بل من اتساع نطاق المواجهة إلى الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها باب المندب، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على حركة التجارة والطاقة العالمية.

أما الحوثيون، فلا يتعاملون مع الصراع باعتباره حربًا أهلية أصلًا، بل يواصلون تقديمه باعتباره مواجهة مباشرة مع السعودية . ولهذا فإن لغة التهديد والتصعيد جزء من استراتيجية فرض الوقائع وليس مجرد رد فعل عابر.

وفي اليمن، فإن الحديث عن قوات الشرعية وكأنها قوة قادرة على قلب الطاولة عسكريًّا لا ينسجم مع نتائج سنوات طويلة من الحرب. فكل المعارك السابقة أثبتت أن الضجيج الإعلامي شيء، والقدرة على الحسم الميداني شيء آخر تمامًا.

أما الجنوب، فهناك مزاج واسع يرفض الزج بالقوات الجنوبية في معارك شمالية مفتوحة. كثيرون يرون أن الجنوب دفع أثمانًا باهظة، وأن مشكلاته وقضاياه أولى من الدخول في حرب جديدة لا تخدم أهدافه المباشرة.

الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها أن الحرب ليست خيارًا سهلًا لأحد، وأن الذين يتحدثون عن اجتياحات وحسم عسكري خاطف يعيشون خارج الواقع. ما يجري اليوم أقرب إلى معركة إرادات ورسائل سياسية منه إلى استعداد فعلي لحرب كبرى.

فالمنطقة تقف فوق برميل بارود اقتصادي وأمني، وأي انفجار جديد قد يدفع نحو فوضى واسعة تتجاوز حدود اليمن والخليج معًا. ولهذا فإن من يبيع للناس أوهام الحسم العسكري السريع لا يقرأ موازين القوى، بل يكرر الشعارات نفسها التي سقطت على صخرة الواقع طوال السنوات الماضية.