أخر تحديث للموقع
الأحد, 19 يوليو 2026 - 02:15 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • عدن حقيقة وليست مشروع قانون

    جسار مكاوي




    كلما ارتفع صوت أبناء عدن مطالبين بحقهم في مستقبل مدينتهم خرجت أصوات تسخر أو تهاجم أو تتهم و كأن مجرد الحديث عن عدن بوصفها كيانا يستحق حماية قانونية وإدارية وسياسية أصبح جريمة تستوجب الإدانة. وهنا تكمن المشكلة ..فهناك من لا يزال يتعامل مع عدن باعتبارها مساحة جغرافية يمكن إعادة تشكيلها وفقا لموازين القوة أو المصالح السياسية. بينما الحقيقة أن عدن ليست مشروعا سياسيا ينتظر موافقة أحد وليست فكرة قابلة للإلغاء أو التأجيل. عدن حقيقة راسخة صنعتها الجغرافيا والتاريخ والإنسان قبل أن تولد كثير من المشاريع والأحزاب والتيارات التي تتنازع المشهد اليوم.

    إن المطالبة بوضع قانوني أو دستوري يضمن لعدن إدارة شؤونها وصون هويتها وتمكين أبنائها من المشاركة في صناعة القرار ليست دعوة ضد أحد ولا انتقاصا من حقوق أحد. إنها مطالبة تنطلق من مبدأ بسيط تؤمن به كل الدول الحديثة وهو أن لكل مجتمع محلي الحق في أن يكون شريكا في إدارة شؤونه ضمن إطار القانون والعدالة ..

    ومن يسخر من هذا المطلب أو يصفه بالعنصرية أو المناطقية لم يدرك جوهر القضية أو لم يرد أن يدركها. لأن الفرق كبير بين رفض الآخر وبين حماية الذات. وبين إقصاء الناس وبين المطالبة بضمانات قانونية تمنع تهميش أصحاب الأرض والمدينة في حاضرها ومستقبلها .. لقد كانت عدن عبر تاريخها مدينة مفتوحة لكل اليمنيين ولكل العرب ولكل من قصدها للعمل أو التجارة أو العلم أو الحياة. ولم يسأل العدني يوما القادم إلى مدينته عن أصله أو قبيلته أو منطقته. وهذه الحقيقة هي مصدر قوة عدن وليست مصدر ضعفها. لكن الانفتاح لا يعني الذوبان ولا يعني أن يصبح أبناء المدينة أقل حضورا في إدارة مدينتهم أو أقل قدرة على حماية مصالحها.. ومن يضحك اليوم على هذه المطالب عليه أن يتوقف قليلا ليسأل نفسه لماذا يتكرر هذا الصوت من أبناء عدن جيلا بعد جيل. لماذا تتسع دائرة المطالبين بضمانات قانونية وسياسية تكفل لهم المشاركة الحقيقية..

    إن تكرار المطالبة ليس دليلا على وجود أزمة لدى أبناء عدن بل قد يكون دليلا على وجود خلل لم تتم معالجته حتى اليوم.. إن المدن لا تستقر بالتجاهل ولا بالاستهزاء ولا بتبادل الاتهامات. وإنما تستقر حين يشعر أهلها بأنهم شركاء في القرار وأن القانون يحمي حقوقهم وأن الدولة تنظر إليهم بوصفهم جزءا أصيلا من مستقبلها.

    ورسالتنا إلى من لم يفهم بعد هي أن عدن لا تبحث عن خصومة مع أحد ولا تنازع أحدا حقه. لكنها في المقابل لن تقبل أن يتحول حق أبنائها في المشاركة وصون هويتها إلى موضوع للسخرية أو المزايدة السياسية. فالحقوق لا تستجدى ولا تمنح على سبيل المنة و إنما تقر وتحترم و تحمى بالقانون..عدن ليست مشروعا سياسيا مؤقتا ولا شعارا موسميا يرفع عند الحاجة. عدن حقيقة تاريخية وإنسانية ووطنية. وكل حقيقة لا تجد حماية في القانون ستظل عرضة للجدل والصراع.

    أما عندما يعترف القانون بالحق ويحميه فإن الجميع يصبحون أكثر أمنا وعدالة و استقرارا.. لهذا فإن الحديث عن عدن ليس حديثا عن امتيازات وإنما عن عدالة. وليس حديثا عن إقصاء وإنما عن شراكة. وليس حديثا عن الماضي وإنما عن مستقبل يستحق أن يبنى على الإنصاف لا على الإنكار.

المزيد من مقالات (جسار مكاوي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال