أخر تحديث للموقع
الأحد, 19 يوليو 2026 - 02:15 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • من سيحرر صنعاء؟

    طه حسين بافضل




    من سيحرر صنعاء؟ هذا السؤال الذي يتردد اليوم في أروقة السياسة وزوايا الإعلام، لا يبدو مجرد استفهام عسكري عابر، بل هو المأزق الحقيقي الذي تتكثف فيه كل تناقضات الأزمة اليمنية وتعقيداتها الإقليمية والمحلية.

    فرغم الضجيج الإعلامي المستجد، والحديث المتصاعد عن وجود عزم حقيقي لإنهاء قبضة جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) على العاصمة التاريخية، إلا أن تفكيك المشهد على الأرض يصطدم بجدار سميك من الحقائق الصلبة؛ حقائق تقول إن القوى المرشحة لخوض هذه المعركة المفترضة لا تملك هدفًا مشتركًا، ولا قيادة موحدة، ولا حتى تصورًا سياسيًّا واحدًا لما بعد السقوط.

    تبدأ المعضلة التكوينية من تفكيك مفاصل المعسكر المناهض للحوثيين، ولنبدأ بالقوات الجنوبية؛ فأغلب هذه القطاعات العسكرية، التي ترهن قرارها وتوجهاتها للقائد الأعلى عيدروس الزبيدي، لا ترى في معركة صنعاء أولويتها الوجودية أو الوطنية، بل هي تتحرك مدفوعة بمشروع سياسي واضح ومحدد يطالب باستعادة الدولة الجنوبية أو "الجنوب العربي". ومن هنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يمكن لقوات عسكرية لم تلتئم كليًّا، ولا عضويًّا، ضمن القطاعات العسكرية للشرعية اليمنية، أن تقود زحفًا كبيرًا نحو الشمال وهي تطلب دعمًا لتحقيق انفصالها؟ إن محاولة دمج هذه القوات في مشروع تحرير الشمال دون حل القضية الجنوبية يمثل خللًا استراتيجيًّا يجعل من الصعب مراهنتها على معركة لا تعنيها في العمق.

    ولا تكتمل لوحة العجز هذه دون التوقف ملياً أمام "قوات العمالقة"، بوصفها القوة الضاربة الأبرز في معادلة الميدان، والتي تأتمر بتوجيهات عضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي. فرغم الكفاءة القتالية العالية التي أثبتتها هذه الألوية في معارك الساحل الغربي وشبوة، إلا أن الزج بها في معركة جبلية معقدة نحو قلب العاصمة يبدو خيارًا محفوفًا بالشكوك؛ فهذه القوات، ذات الجذور السلفية والجنوبية في تركيبتها الغالبة، تتحرك ضمن مسرح عمليات يرتبط في جوهره بتأمين الجغرافيا الجنوبية وحماية المكاسب الاستراتيجية، أكثر من كونها جيشًا مستعدًا للاستنزاف في مرتفعات الشمال من أجل استعادة منظومة حكم يمنية مركزية. إن موقف "العمالقة" الفعلي، مهما بدا منضبطًا تحت مظلة المجلس الرئاسي، يظل محكومًا بحسابات عسكرية وسياسية بالغة الدقة تجعل من اندفاعها المفتوح نحو صنعاء مغامرة معقدة، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى سؤال البديل العسكري القادر على إنجاز التحرير.

    ولا يتوقف الأمر عند حدود الهوية الجنوبية، بل يمتد إلى داخل المعسكر الشرعي نفسه؛ فالرئيس رشاد العليمي يقود جبهة ممزقة الولاءات، حيث القوات الممتدة من الساحل الغربي إلى مناطق أخرى لا تملك تراتبية عسكرية تخضع صاغرة لقرار سياسي مركز واحد. هذه التعددية الفصائلية تحوّل أي قرار بالتحرك نحو صنعاء إلى عملية قيصرية معقدة، فكل فصيل يحسب خطواته بميزان النفوذ والمكاسب المستقبلية، مما يجعل الفعالية الهجومية شبه مشلولة في مواجهة جماعة عقائدية متمترسة خلف جغرافيا جبلية شديدة الوعورة وخبرة قتالية طويلة.

    أمام هذا العجز الداخلي، تبرز الأوهام المتعلقة بالتدخل الخارجي كبدائل يائسة؛ فالمملكة العربية السعودية، التي قادت التحالف لسنوات، أعادت صياغة استراتيجيتها بالكامل نحو التهدئة وحماية أمنها الداخلي وحدودها ومشاريعها الاقتصادية، وليس لدى جيشها الرغبة ولا العقيدة لخوض حرب برية استنزافية واسعة في المرتفعات الشمالية.

    أما الرهان على ضربات أمريكية مميتة تستهدف رؤوس الانقلاب، أو حتى التساؤلات الفانتازية التي تتحدث عن إمكانية مشاركة طائرات إسرائيلية في سياق الصراع الإقليمي الحالي، فهي لا تتعدى كونها قراءات رغائبية؛ فالقصف الجوي الخارجي، مهما بلغت قسوته ودقته، قد يربك الجماعة الحوثية أو يضعف قدراتها الصاروخية، لكنه أبدًا لا يحرر مدنًا على الأرض ولا يسقط سلطة أمر واقع تجذرت في البنية الاجتماعية.

    إن الحل لهذه الإشكالية الكبيرة لا يلوح في الأفق القريب، لأن التناقض بين الخطاب الإعلامي العازم والواقع السياسي المتشظي هو تناقض عميق. وطالما ظلت القوى المناهضة للحوثية عاجزة عن صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز الهويات الفرعية والمصالح الفئوية، فإن سؤال "من سيحرر صنعاء؟" سيبقى يدور في حلقة مفرغة من العجز، لتظل العاصمة رهينة واقعها الحالي، ويظل التحرير مجرد شعار مؤجل في انتظار معجزة سياسية أو عسكرية لم تنضج ظروفها بعد على أرض الواقع.

المزيد من مقالات (طه حسين بافضل)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال