السياسة متغيرة، والتحالفات تتبدل، والمصالح الإقليمية والدولية لا تعرف الثبات، أما الثوابت الوطنية فهي التي يجب أن تبقى فوق كل المتغيرات.
وأخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن ننتظر «الولي القادم» أو«المحرر المنتظر»، ونظل نعيش على أطلال الماضي، نستدعي أسماء الذين رحلوا، ونبحث عن الحبيب الذي غادر ومعه قبيلته إلى مكان آخر، وكأن مستقبل شعب كامل مرتبط بشخص أو جماعة أو مرحلة انتهت.
الشعوب لا تبني مستقبلها بالانتظار، ولا تحقق أهدافها بالحنين إلى الماضي. الشعوب التي تريد أن تتقدم هي التي تقرأ الواقع كما هو، وتعرف أين توجد الفرص، وما هو الممكن، وكيف تستفيد منه، وتحوله إلى إنجاز يخدم الناس ويفتح الطريق أمام المستقبل.
نحن بحاجة إلى رجال مختلفين عن رجال المراحل السابقة؛ رجال لا يعشقون الثورة والشعارات لمجرد الثورة والشعارات، ولا يتعاملون مع القضية باعتبارها وسيلة للوصول إلى المال والمناصب والنفوذ.
نريد رجالًا يعملون من أجل المواطن قبل أن يعملوا من أجل أنفسهم. رجالًا يحققون مصالح الناس، ويوفرون الخدمات، ويعملون في التعليم والصحة والكهرباء والمياه والطرق والأمن والاقتصاد وفرص العمل، ويجعلون المواطن يشعر أن هناك من يعمل من أجله، لا قيادات تتحدث باسمه فقط.
لقد مرت علينا مراحل طويلة امتلأت بالخطب والشعارات والحماس الثوري والمزايدات السياسية، بينما كان المواطن ينتظر أبسط حقوقه. وفي المقابل، استطاع بعض من تصدروا المشهد أن يحققوا لأنفسهم ولأولادهم الأموال والمناصب والمصالح، بينما لم يقدموا للشعب ما يوازي ما حصلوا عليه باسمه، ولهذا يجب أن تتغير المعادلة.
نريد من يجعل من السلطة مسؤولية، ومن المنصب خدمة، ومن السياسة وسيلة لتحقيق مصالح الناس، لا وسيلة لتحقيق مصالحه الشخصية، لا أحد سيأتي لينقذنا، ولا يجوز أن نبقى أسرى انتظار المخلّص.
الواقعية السياسية ليست خيانة، والمرونة ليست تنازلاً، والاستفادة من الفرص ليست بيعاً للقضية.
أما أن نبقى نعيش على الشعارات، وننتظر زعيماً يأتي من بعيد، ونكرر قصص الماضي، بينما المواطن بلا كهرباء ولا ماء ولا تعليم جيد ولا صحة ولا عمل، فهذا ليس نضالاً، بل هروب من مسؤولية الحاضر، المرحلة القادمة تحتاج إلى رجال دولة، لا رجال شعارات.
من يريد أن يخدم وطنه، فليثبت ذلك بما يقدمه للمواطن. أما من يريد المجد لنفسه، فليترك الوطن وشأنه.















