في السياسة، ليست كل الأسئلة اعتراضًا، ولا كل علامة استفهام موقفًا معاديًا. أحيانًا يكون السؤال طريقًا إلى الحقيقة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمستقبل شعب وقضية سياسية بحجم القضية الجنوبية.
منذ بداية العام، أفرزت التطورات المتسارعة في الجنوب واقعًا سياسيًا جديدًا، من أبرز ملامحه التحضير لإنشاء مجالس تنسيقية في عدد من المحافظات الجنوبية، بالتزامن مع الحديث عن حوار جنوبي–جنوبي، تحت عنوان تقريب وجهات النظر وتوحيد الرؤى.
لا أحد يرفض الحوار، ولا يعترض على التنسيق بين المكونات، فالتنسيق في حد ذاته يمكن أن يكون وسيلة إيجابية لتوسيع المشاركة وتقريب المواقف. لكن السؤال المشروع هو: لماذا تتركز هذه الترتيبات في الجنوب، بينما لا نرى مسارًا مماثلًا في المحافظات الشمالية؟
إذا كان اليمن مقبلًا على تسوية سياسية شاملة، فلماذا يبدو أن تنظيم التمثيل السياسي والاجتماعي مطلوب من الجنوب بصورة أكبر من غيره؟ وإذا كان المقصود حوارًا جنوبيًا–جنوبيًا، فهل الهدف معالجة الاختلافات وتعزيز التوافق، أم أن هذه الترتيبات قد تؤدي، بقصد أو بغير قصد، إلى إعادة توزيع أدوار ومراكز التمثيل قبل الوصول إلى التسوية؟
وهنا لا تكمن المشكلة في فكرة المجالس التنسيقية نفسها، وإنما في الغاية منها، وطريقة تشكيلها، والمعايير التي تحكم تمثيلها.
لذلك، لا يكفي أن نسأل: من يمثل الجنوب؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا يمثل هذا التمثيل؟ ومن يحدد قواعده؟ وعلى أي أساس؟
وإذا كانت إعادة تنظيم المكونات المحلية وسيلة لتهيئة الأطراف للحوار، فإن المنطق السياسي يقتضي أن يكون المعيار واحدًا، وأن يُطرح السؤال نفسه على المحافظات الشمالية.
فالمحافظات الشمالية بدورها تضم قوى ومكونات ورؤى متعددة، وليست كتلة سياسية متجانسة. وإذا كان تنظيم المكونات وتنسيق مواقفها ضرورة قبل أي حوار، فمن الطبيعي أن ينطبق هذا المبدأ على الجميع، لا أن يُطبق بصورة مختلفة من منطقة إلى أخرى.
المطلوب اليوم ليس المزيد من الأطر لمجرد إضافة أطر جديدة، بل وضوح في الهدف، وعدالة في التمثيل، وشفافية في الحوار. فالجنوب يستطيع أن يختلف ويتحاور دون أن تتحول عملية التنسيق إلى شرط مسبق لإعادة تعريف تمثيله السياسي والاجتماعي، كما أن تعدد المكونات ينبغي أن يكون دافعًا لبناء آليات أكثر شمولًا للحوار والتوافق، لا مبررًا للإقصاء.
















