> عبدالكريم سليمان العرجان:

​لم يعد الصراع اليمني مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل تحول منذ سنوات إلى مختبر حركي للتوازنات الإقليمية، تتقاطع فيه حسابات طهران مع أمن البحر الأحمر ومصالح القوى الكبرى. وما يشهده اليمن اليوم ليس رفعًا تقليديًا للجاهزية، بل محاولة لإعادة تعريف قواعد الصراع وكسر "معادلة الصفر" التي حكمت المشهد طويلًا؛ معادلة تجعل مكسب أي طرف خسارةً وجودية للطرف الآخر، وتحول دون ترجمة أي تفوق ميداني إلى تسوية سياسية مستقرة.

وهكذا لم تعد معادلة الصفر مجرد نتيجة للصراع، بل أصبحت إحدى الآليات التي تعيد إنتاجه واستدامته، بحيث يتحول أي تفاهم جزئي إلى هدنة مؤقتة، وأي مكسب ميداني إلى جولة جديدة من التنافس.

مجلس القيادة الرئاسي، بقراره الأخير، ينتقل من موقع “الاحتواء الدفاعي” إلى منطق “الردع المتكامل”. والتحول الحقيقي هنا لا يكمن في رفع الجاهزية العسكرية وحدها، بل في الانتقال من إدارة التهديد إلى محاولة تغيير البيئة التي تسمح له بالاستمرار. فالردع لا يتحقق بمجرد امتلاك القوة، وإنما بامتلاك القدرة على استخدامها، وإقناع الخصم بأن كلفة التصعيد ستكون أعلى من مكاسبه. بهذا المعنى، لا يمثل التحول خطابًا سياسيًا فحسب، بل محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك.

الشرعية تدرك أن البقاء في المنطقة الرمادية يخدم استراتيجية الإنكار المعقول التي اعتمدتها طهران عبر وكيلها الحوثي؛ إذ يستخدم الحوثيون كأداة قادرة على تعطيل سلاسل الإمداد وتهديد الممرات دون استدعاء تدخل دولي مباشر ومكثف. واليوم، تحاول الشرعية إغلاق هذه المنطقة الرمادية، وجعل أي تصعيد جديد يحمل ثمنًا مباشرًا على مصادر التهديد ومراكز القيادة وشبكات التمويل.

تحول الحوثيون إلى أداة نفوذ إيرانية منخفضة الكلفة، تجمع بين الوظيفة المحلية والقدرة على تنفيذ أهداف تتجاوز الجغرافيا اليمنية، ليكونوا صمام ضغط في أزمة أكبر تمتد من طهران إلى باب المندب. وطهران غذّت هذه الجماعة بالتقنيات والتمويل والخبرات، محولة إياها إلى رأس حربة في مشروعها الإقليمي.

لكن الوكيل نفسه يواجه ضغوطًا متراكمة على بنيته العسكرية والاجتماعية والاقتصادية. فالاستنزاف المتواصل، وصعوبة إعادة بناء بعض القدرات، إلى جانب الضغوط المعيشية والتجنيد القسري والتململ داخل بعض الحواضن الاجتماعية والقبلية، كلها مؤشرات تضيق هامش المناورة أمام الجماعة. 

ومن هذه الزاوية، فإن التصعيد الذي تلجأ إليه لا يمكن قراءته دائمًا بوصفه تعبيرًا عن تفوق ميداني؛ فقد يكون، في جانب منه، محاولة للحفاظ على المبادرة ومنع انتقال الضغط من الأطراف إلى مركز القوة نفسه.

الشرعية، في المقابل، تحاول استعادة منطق الدولة الصلبة. والربط بين البعد العسكري وتجفيف منابع التمويل والتهريب يضرب العمق الحقيقي للجماعة؛ فالحوثي لا يعيش على السلاح وحده، بل على شبكات لوجستية ومالية تسمح له بالاستمرار. قطع هذه الشبكات، إذا نُفذ بذكاء، يحول الردع من رد فعل إلى استراتيجية استباقية، وينقل المواجهة من استهداف النتائج إلى الضغط على البنية التي تنتجها.

كما أن التأكيد على أن المعركة تستهدف مشروع الانقلاب والسلاح خارج مؤسسات الدولة، وليس منطقة أو مذهبًا، يمنح المواجهة إطارًا وطنيًا يحميها من الانزلاق إلى صراعات فرعية تخدم أجندات خارجية. فالردع، إذا أراد أن يتحول إلى مشروع دولة، يحتاج إلى أن يبقى مرتبطًا بفكرة استعادة احتكار الدولة للقوة، لا بإعادة إنتاج الانقسام داخل المجتمع اليمني.

لكن نجاح هذه الإستراتيجية لا يتوقف على الأدوات العسكرية والأمنية وحدها. فالردع يحتاج إلى ثلاثة عناصر متلازمة: قدرة فعلية، ومصداقية في استخدامها، ووحدة في القرار السياسي والعسكري. وإذا بقيت مراكز القرار داخل المعسكر المناهض للحوثيين موزعة بين حسابات سياسية وأمنية متباينة، فإن أي تصعيد قد يتحول إلى جولة استنزاف جديدة بدلًا من أن يصبح جزءًا من استراتيجية ردع متماسكة. لذلك فإن اختبار الشرعية الحقيقي لا يكمن فقط في قدرتها على المبادرة، بل في قدرتها على تحويل هذه المبادرة إلى سياسة موحدة ومستدامة.

غير أن هذا المسار ليس بلا تكلفة. فأي ردع متكامل يحمل مخاطر استنزاف المناطق المحررة، وضغطًا اقتصاديًا إضافيًا، واحتمال انفلات أمني إذا لم يُدار بأعلى درجات الانضباط والتنسيق. كما أن الانتقال من الاحتواء إلى المبادرة قد يفتح الباب أمام ردود فعل مضادة، خصوصًا إذا اعتبر الحوثيون أن تراجع قدرتهم على المناورة يهدد بنية نفوذهم. الشرعية تدرك ذلك، لكنها تراهن على أن كلفة الانتظار باتت أعلى من كلفة المبادرة، وأن النافذة الحالية ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

المعادلة الإقليمية ذاتها تتغير. طهران التي راهنت على الحوثيين كورقة نفوذ منخفضة الكلفة تجد نفسها أمام وكيل يواجه ضغوطًا متراكمة، بينما تسعى الشرعية إلى تحويل اليمن من ساحة استنزاف إلى ساحة استعادة للسيادة. وباب المندب لم يعد مجرد ممر تجاري، بل أصبح الخاصرة الرخوة التي يتقرر من خلالها جزء من ثمن الاستقرار الإقليمي. ولذلك فإن أي تحول في ميزان الردع داخل اليمن لن يبقى محصورًا في الداخل، بل سيمتد أثره إلى حسابات البحر الأحمر وطهران والقوى الدولية المعنية بأمن الممرات.

اليمن ليس أمام خيارين بسيطين، حرب أو سلم، بل أمام إعادة صياغة قسرية للمعادلة. إما أن ينجح الردع المتكامل في استعادة زمام المبادرة وفرض كلفة حقيقية على مشروع طهران في اليمن، أو يعود المشهد إلى منطقة رمادية جديدة تطيل أمد الفوضى وتستنزف الجميع.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في قدرة الشرعية على فتح جولة جديدة من القتال، بل في قدرتها على تحويل القوة إلى ردع، والردع إلى معادلة سياسية جديدة. فإذا نجحت في ذلك، قد يبدأ اليمن بالخروج تدريجيًا من “معادلة الصفر” التي جعلت كل مكسب مؤقتًا وكل تسوية قابلة للانهيار. أما إذا بقيت المبادرة العسكرية منفصلة عن وحدة القرار السياسي والقدرة على تثبيت المكاسب، فإن التصعيد لن يكون سوى دورة جديدة من الحرب نفسها.

المسألة ليست من يطلق النار أولًا، بل من يستطيع تغيير حسابات الطرف الآخر بحيث يصبح استمرار المعادلة القديمة أكثر كلفة من التخلي عنها.
عن "العرب اللندنية"