​الحقيقة أن الدستور يكتب في العقول قبل أن يكتب في القاعات المغلقة ، فالأفكار هي البذرة الأولى التي تسبق أي نقاش رسمي، ومن هنا تنبع ضرورة أن نبدأ مبكرًا في تجهيز مقترحات واضحة ومدروسة، باعتبار أن الدستور ليس وثيقة توقع ثم تترك في الأدراج، بل عقد اجتماعي يؤسس لعدالة تحمي الجميع ويصون كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.

في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد، لا ينبغي أن يكون التعقيد أو الترقب ذريعة للتقاعس عن العمل على تجهيز مبادرات ومقترحات جامعة، بمشاركة فاعلة من القانونيين والمواطنين  والأحزاب السياسية والمنظمات المجتمعية ، وذلك لان الدستور القادم ينبغي أن يكتب بلغة بسيطة و واضحة المعالم، بعيدة عن التعقيد القانوني المفرط، بحيث يدرك مضامينه كل مواطن، وتكون نصوصه نافذةً إلى روحه لا حاجباً عن مضمونه.

إن تجهيز المقترحات اليوم يعني أننا لا ننتظر المفاجآت ولا نترك الساحة للارتجال أو التأثير العاطفي، بل نضع أقدامنا على طريق التخطيط الرصين، فالمقترحات الجيدة تقوم على الاستماع الحقيقي لمطالب الناس وتشخيص مشكلاتهم والاستفادة من التجارب الناجحة وتجنب تكرار الأخطاء السابقة مع ضمان توازن صارم بين السلطات.

فيما يتعلق بالهيكل السياسي ، أميل إلى فكرة البرلمان الأحادي الفعال القائم على مفهوم "رئيس قوي، وبرلمان ذي نفوذ، وحكومة خاضعة للمساءلة"، ذلك أن وجود هيئة استشارية كمجلس الشورى قد حول عملياً نظام البلاد إلى أحادية شكلية، ما يستدعي إعادة النظر في هذه التركيبة لتصبح أكثر فعالية وشفافية.

أما القضايا الاقتصادية فهي تستحق مراجعة معمقة تتيح تطبيق نظام قانوني اقتصادي ومالي خاص في مناطق معينة من البلاد لا سيما المدن ذات معدلات التنمية المتقدمة، بما يمكن من معالجة التحديات الاقتصادية وتحسين مناخ الاستثمار بشكل جذري.

في مجال الضمانات الأمنية، أرى أن تحديد المدد الزمنية كما ورد في المادة (48 بند ج) ليس ضرورياً، بل الأهم أن يكفل الدستور الجديد، دون قيد أو شرط، الحماية القضائية الفورية والرقابة الفعلية في حالات الاحتجاز غير القانوني، على أن يترك تحديد المدد القصوى للقوانين ذات الصلة، بما يمنح المشرع مرونة معقولة.

أما في العدالة الجنائية، فأنا مع تعزيز حماية حقوق الإنسان وحرياته، لأن هذا المجال هو أكثر ميادين الدولة قسراً، حيث قد يكلف خطأ واحد شخصاً حريته أو سمعته أو صحته أو حياته، لذا ينبغي أن تكون الإجراءات الجنائية محاطة بضمانات رادعة.

ومن المهم إدراج مادة بيئية في  الدستور ملزمة بحماية الطبيعة والتعامل بحرص مع الموارد الطبيعية، كما لا بد من مادة تتعلق بحقوق الطفل كاملة وترسي مسؤولية متبادلة بين الأجيال، تلزم الأبناء البالغين الأصحاء برعاية والديهم بسبب ارتفاع معدلات عقوق الوالدين بين الشباب والفتيات.

الدستور القادم يجب أن يكون معززاً للتوازن بين الرئيس والبرلمان والحكومة، خاضعاً للمساءلة أمام المواطنين ومؤهلاً لمواجهة تحديات التحول الرقمي ليكون وثيقة حية تعكس طموحات الأمة وتلبي متطلبات العصر.