ينبوع دفاق، إنساني، بمزايا الفكر والأدب والسياسة والتاريخ، ضمن رؤى ثابتة، وبعقيدة مخلصة في القومية، لا فكاك منها ولا تهاون عنها، وضمن نسق يبعدهما عن مثالب العنصرية ومخالب الشوفينية أو التعصب أو التعالي على الأجناس الأخرى، ويرقى بها السقاف ـ أو هي ترقى به ـ إلى المصافات الإنسانية الراقية.

ظل مشرقًا، فياضًا، معطاءً على مدى سبعين عامًا من النبض المضمخ بالمفاهيم ذاتها التي فُطر عليها، وهو في منبته الأول في مسقط رأسه (الوهط)، إحدى حواضر سلطنة (لحج) الزاهية، تحت سيادة الأمراء العبادل، ممن جعلوا من التعليم واحدًا من مزايا سلطنتهم المدنية، إلى جانب الزراعة والفن الموسيقي الذي نسمعه بآذان مشنفة حتى الساعة.

وعلى ذات النهج والمسلك، تتفرد حياته شابًّا في العراق، بذات المعاني الراقية التي غرستها المدرسة (المحسنية) في حاضرة الأمراء العبادل (الحوطة المحروسة) فيه يافعًا. وقد استقبلت لحج وعدن كوكبة من أبناء الحجاز، وخاصة من آل الدباغ، الذين أتوا إلى هنا بعد سقوط مملكة الأشراف في الحجاز بيد الملك عبدالعزيز آل سعود، ليتولوا التعليم.

وقد عنَّ لي أن أسأل أحمد السقاف ـ ذات يوم ـ عن سر بلاغته عالية الكعب، بعد أن استمعت إليه في (شريط) تسجيلي خطيبًا، وهو يقدم شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، الضيف على الكويت ورابطة الأدباء، فقلت له:

لقد أحرجت الضيف بذلك التقديم الذي يأخذ بالألباب!

فقال، بعد صمت قصير: أنت ذكي، فقد همس سفير العراق في الكويت أوانئذ في أذني بنفس هذا الكلام بعد الأمسية مباشرة، وقد كان حاضرًا تلك الأمسية الشعرية في تلك الليلة من العام 1979م.

وقال السقاف: لقد رد الجواهري في حرج بقوله: إنه سعيد بأن تكون بعض قصائده التي طرز بها السقاف كلمته من محفوظات السقاف.

وأردف: وياليت لي بلاغة السقاف وفصاحته لأرد عليه، ولكنني رجل أكلت القافية لساني.

وما كان ليخطر ببالي أن تلك الملكة الفنية في بلاغة وفصاحة السقاف في الخطابة قد أخذ بتلابيبها، لا من العراق، حيث أخذ دراسته الجامعية فيه، بل من المدرسة (المحسنية) بلحج القصية، وهو في خطواته الأولى في التعليم صبيًّا، ومن مدير المدرسة نفسه، السيد محمد حسين الدباغ، الذي درَّب طلابه على الخطابة ومخارج الألفاظ والإلقاء، وغرسها في قلوبهم.

لعل العراق الزاخر بالحراك السياسي والثقافي والاجتماعي في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي قد رسخ معتقدات السقاف القومية، وفتق فيه مزاياه الأدبية والثقافية، فوجد في هذه الأرض الخصبة منهلاً يرتوي منه لكي يستقيم عوده وتكتمل شخصيته.

واستطاع أن يلج إلى إذاعة بغداد، ليلقي أحاديث من أثيرها عن العروبة والقومية وقضايا أمته العربية.

ويتزامل في ذلك المنحى الإعلامي المبكر مع فتاة عراقية سيكون لها صيت مسموع في الوطن العربي، وهي الشاعرة نازك الملائكة، رائدة شعر الحداثة في الوطن العربي.

وما إن تتفجر ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م ضد المستعمر البريطاني في العراق، حتى يجد نفسه مقاتلًا متطوعًا ضمن صفوف الكتيبة العربية بقيادة عبدالقادر الحسيني، الذي استشهد بعد ذلك في فلسطين، والمعروف بشهيد القسطل.

وأصيب السقاف بشظية في ساعده، ظل يصفها في سائر أيامه القادمة بالوسام.

ولعل مشاركته في هذه الثورة تعبير عن قناعاته القومية العربية، بغض النظر عن انحياز الكيلاني إلى الألمان النازيين سبيلًا للتخلص من الاستعمار البريطاني في العراق. فالعرب، بما في ذلك شهيد القسطل البطل عبدالقادر الحسيني وكتيبته من الطلاب العرب في بغداد، قد لمسوا مآسي الإنجليز في أراضيهم المستعمرة، بما في ذلك إقامة كيان صهيوني في فلسطين، أكثر مما رأوه من الألمان، وهي رؤية ضبابية مخادعة، إذ إن النازيين أكثر بشاعة من أقرانهم الأوروبيين الآخرين في البطش بالشعوب الأخرى، كما بينت الأحداث المتلاحقة للحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945م.

السقاف في العراق من 1937 إلى 1941م تتشكل ذاته المعرفية والفكرية وقناعاته العروبية. ولم يكن مجرد طالب يكتفي بما هو مناط به، وإنما انخرط في الأنشطة الثقافية والسياسية، واستطاع الوصول إلى إذاعة بغداد في تلك الفترة المبكرة، والعمل ضمن الجمعيات التي تعنى بالفكر القومي العربي، ولم يتردد في الانخراط في حركة عسكرية فيها كثير من المجازفة والخطورة، طالما كانت التوجهات قومية عربية محضة.

وعندما يحط رحاله في وطنه الكويت، التي تتوثب لنهضة قادمة، لم يخرج عن تلك القناعات العروبية التي صاغت تكوينه الفكري والسياسي في العراق.

ففي الكويت المضمخة بتقاليدها العربية الأصيلة، تتسع المدارك والمعارف؛ فمن معلم إلى مدير للمدرسة الشرقية، إلى مساهم في رفع وتيرة الوعي القومي العربي من خلال المنتديات الثقافية العديدة، والعمل على إصدار مجلة شهرية رائدة هي مجلة (كاظمة)، أول مجلة تطبع وتصدر من داخل الكويت عام 1949م، مع صديقه الأستاذ عبدالحميد الصائغ، والتي استمرت في الصدور تسعة أشهر، أي إن الجنين مات يوم ولادته، كما يحب السقاف أن يقول.

ولم تتوقف فكرة إنشاء المجلات التي تعنى بالثقافة العربية من مخيلة السقاف، فقد أصدر النادي الثقافي العربي، الذي أنشأه بمعية زملاء له، مجلة (الإيمان) وملحقها الأسبوعي (صدى الإيمان)، ويكون قد أصدر في هذه الفترة، من نهاية الأربعينيات وبدايات الخمسينيات، كتابيه: (المقتضب في معرفة لغة العرب) و(الأوراق: في شعر الديارات النصرانية في العراق)، وهو كتاب فريد يعنى بتتبع الشعر العربي خارج مقاصده الكلاسيكية، مثل المديح ووصف الناقة وسواهما، والبكاء على أطلال الحبيبة، والهجاء والرثاء... إلخ، ويتجه إلى قول ما لا يمكن أن يقال في الحضرات الرسمية، وفيه ما فيه من قصف وعصف وخروج عن المألوف.

وهذا الشعر خاص بشعراء الدولة العباسية، أو بعضهم على وجه الدقة، وقد تطرحوا وتغنوا في الأديرة النصرانية، بعيدًا عن التكلف أو الخوف من والٍ أو خليفة، وعلى السليقة والسجية تمامًا، ما بين الشراب والجمال والحرية، فقالوا ما لا يمكنهم قوله إلا في هذا الجو المفتوح.

وفي العام 1955م قام بزيارته المشهورة إلى موئله الأول، لرؤية أهله الذين فارقهم عام 1937م عندما غادر للدراسة في العراق.

وكانت حصيلة زيارته كتاب (أنا عائد من جنوب الجزيرة العربية) القيم، حيث رصد التحولات الاجتماعية والسياسية في محميات الجنوب العربي ومستعمرة عدن. كما تتبع عن قرب أحداث انقلاب 1955م في تعز باليمن وفشله، بقيادة قائد حامية تعز أحمد يحيى الثلايا، دعمًا لسيف الإسلام عبدالله بن يحيى حميد الدين.

وقد نشر السقاف أحداث الانقلاب في سلسلة مقالات له في الصحف اللبنانية، وأثارت صور الإعدامات التي نفذها الإمام أحمد في الانقلابيين ومن تعاطى معهم ردات فعل غاضبة في اليمن والوطن العربي، حيث شملت الإعدامات اثنين من إخوة الإمام، هما سيف الإسلام عبدالله وسيف الإسلام العباس.

ولقي الكتاب ترحيبًا وتقريظًا من زعماء حركة الأحرار اليمنية، مثل الأستاذ أحمد محمد النعمان، وقد أعيد طبع الكتاب عدة مرات.

ولعله مناسب أن نشير إلى قصيدة السقاف ذائعة الصيت (اللقاء العظيم) الغزلية، التي نظمها في ذات العام 1955م، وتضمنها ديوانه الجامع (ديوان شعر السقاف)، وقد ألقاها لاحقًا في مهرجان الشعر في مصر، وصاغها لحنًا وغناها الفنان الكبير محمد مرشد ناجي. وتقول أبياتها:

لك الله من قلب يمزقه الألم

ويا نفس صبرًا إن ألمَّ بك السقم

ينام خلي القوم ملء جفونه

ونوم ذوي الشوق المبرح كالعدم

تعلقتها عن غير قصد فأصبحت

خيالي وأفكاري التي تلهم القلم

فوالله لو مرت بشيخ معمر

عظيم التقى يومًا لحل به لمم

وراح يجيل الطرف في كل فاتن

وأنكر أعوام التهجد وانهزم

لها طلعة لن يلمح المرء مثلها

وإن طاف في دنيا العروبة والعجم

تناسقت الأعضاء فيها وإنها

لتمثال فنان ولوحة من رسم

ويطربني منها حديث مهذب

رقيق المعاني رائع الجرس والنغم

وإن ضحكت هزت قلوبًا وأنعشت

نفوسًا وأودت بالكآبة والسأم

وإن ضمها في ساعة الأنس مجلس

فإن جميع الحاضرين لها خدم

نظرت إليها نظرة جانبية

فأغضت حياءً وهي تعلم ما اكتتم

وقد سرني أني أثرت اهتمامها

وأن الهوى قد ثار في القلب واحتدم

وفي ليلة سدت طريقي كأنها

عمود ضياء شق ما ساد من عتم

فأطرقت والقلب المتيم خافق

إلى رشفة ترويه من شفة وفم

وقلت لها: نفسي الفداء، فإنني

أرى أن هذا الحسن يُعبد لا جرم

فكوني كما أبغي خيالًا لشاعر

يترجم أسرار الجمال إذا نظم

ولكنها، والله يغفر ظلمها،

أشاحت وقالت: أنت في الحب متهم

لعل فتاة قد سبتك بدلها

فأنت ترى حفظ العهود من الشيم

فأقسمت بالقد المهفهف أنني

أسير لعينيها، وما نفع القسم

وصدت صدودًا لا أطيق احتماله

وبت كما بات السليم ولم أنم

ولما مضى شهران جن جنونها

وعادت وفي اللحظين يرتسم الندم

وسامحتها لما تساقط دمعها جمانًا

ولما صدرها جاش بالألم

وهمت بتوديعي فجددت موعدًا

يزيل الذي من هاجس الوهم قد نجم

فلم ترض إلا أن يكون لقاؤنا

غداة غد بين الكنيسة والحرم

أما كتابه (حكايات من الوطن العربي الكبير)، فهو سفر تاريخي يجمع بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات. وفيه عرض للأقطار العربية التي زارها السقاف، سواء مبعوثًا من وزارة الخارجية الكويتية، أو باعتباره مسؤولًا عن المساعدات التي قدمتها الكويت، من مدارس ومستشفيات وكليات ومكتبات ودور عبادة... إلخ، للبلدان الفقيرة في الوطن العربي، وعلى رأسها اليمن بشطريه، ودول الخليج العربي قبل ظهور النفط فيها، وحتى السودان وجيبوتي، خلال ترؤسه لـ(الهيئة العامة للجزيرة والخليج العربي) التابعة لوزارة الخارجية الكويتية، ناهيك عن بعوث المعلمين والدكاترة للعمل في هذه المنشآت، وتحديدًا في اليمن.

وينقل إلينا السقاف قصصًا وحكايات ظريفة عن هذه الزيارات، بما في ذلك قصصه طالبًا في العراق في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي.

وتترصع هذه الحكايات بمشاهدات لواقع هذه البلدان ولقاءاته بالمسؤولين، وأشعاره التي ألهمته قريحته الخصبة أن يقولها في هذا البلد أو ذاك، ومنها قصيدته (العصفور الأصفر) التي جادت بها قريحته في إحدى زياراته لليمن، عندما رأى شجرة وارفة تزدان بالآلاف من الأعشاش لعصافير صفراء اللون جميلة، تبني أعشاشها بمهارة وذكاء، بعيدًا عن الأخطار.

وقد أصبحت القصيدة إحدى المقررات الدراسية في التعليم الأساسي، وأقيمت حولها ندوة في تلفزيون صنعاء، ويقول مطلعها:

يا طير يا عصفور يا أصفر

مالي إلى سواك لا أنظر

ومن تلك القصص التي يوردها السقاف في كتابه هذا قصة (الطفل المشرد)، الذي صادفه في القاهرة، وهو يجر أذيال العوز والجوع، وبعد أن تفهم قصته نظمها شعرًا، ونشرت أيضًا في (مجلة العربي)، وتقول بعض كلماتها:

جوعان لم يذق الطعاما

غدر الزمان به فهاما

متسربل بالبؤس يسحب

في تشرده عظاما

مات الذي يحنو عليه

فعاش في عدد اليتامى

وتنكرت أم فما رضيت

معاناة الأيامى

وزواج بعض الأمهات

يكاد يفتتح الحرام

لم تحمه أم ولم يرع

الزنيم له ذمامًا

رماه دون أذى جناه

إلى الشوارع مستضامًا

يمشي يمد يدًا

ودمع العين يذرفه سجامًا

يتجرع البطش الأليم

ويعلك الموت الزؤامًا

............

ويختمها السقاف بقوله:

كم في القصور من الكلاب

تعيش في رغد ترامى

اللحم نطعمها وإن شاءت

دجاجًا أو حمامًا

ونلفها بالحب رقراقًا

ونسكبه هيامًا

نشكو إذا عطست

ونسهر إن تصنعت الزكام

ماذا يضر لو أن هذا

الكلب نجعله غلامًا

نعطيه ما نعطي الكلاب

من الرعاية ما أقاما

ونعده رجلًا نحقق

فيه آمالًا جسامًا

وله محطات نضالية دعمًا لفلسطين والبلدان العربية، ضمن خطه القومي العربي، لم تتوقف لحظة في حياته.

من فلسطين والجزائر والعدوان الثلاثي على مصر، إلى ثورة اليمن والعراق، الذي أفرد له متسعًا من القول شعرًا ونثرًا، ازدادت وتيرته أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وإلى جانب نصرة دول الخليج العربي في وجه غطرسة شاه إيران... إلخ.

ففي ديوانه الشعري الجامع تأتي قصيدة (يا قائد العرب) ذات الصدى الذائع، التي نشرتها مجلة (العربي) وصحف أخرى، وقد ألقاها السقاف في حفل كبير في الكويت لجمع التبرعات للجيش المصري قبل وقوع نكسة حزيران 1967م بأيام قليلة، وتقول بعض كلماتها:

الجرح جرحك، قم للثأر منتقمًا

والأرض أرضك، فاسحق رأس من ظلما

يا قائد العرب، إن العرب قد

نفرت إلى القتال تلبي القدس والحراما

فارفع لواءك منصورًا، فما عقمت

عروبة أنجبت عمرًا ومعتصما

وسر بها نحو مجد هزه خور

فظن بعض الأعادي أنه انهدم

ولعب السقاف دور حمامة سلام بين سلطنة عُمان وجنوب اليمن، بإيعاز من وزير خارجيته سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الذي أصبح بعد سنوات أميرًا لدولة الكويت ـ رحمه الله ـ، وذلك بعد أن لجأ السلطان قابوس إلى دولة الكويت، الدولة الخليجية الوحيدة ذات العلاقة المباشرة بدولة الجنوب اليسارية.

وكم كانت حكمة الكويت تتجلى في الرد على الضغوطات التي تعرضت لها خليجيًا بسبب علاقتها بالدولة الماركسية في عدن، بأن ترك هذه الدولة لوحدها في جغرافيا محاصرة لها سوف يدفعها أكثر إلى الارتماء في أحضان السوفييت.

إلا أن وساطة الكويت بين اليمن الديمقراطية وعُمان اصطدمت بعقليات متصلبة لصقور الجبهة القومية الحاكمة، مما عطل الوساطة الكويتية، ودعا السلطان قابوس إلى اللجوء إلى دعم شاه إيران له بالقوة العسكرية للقضاء على الثوار في ظفار والجبل الأخضر في بداية السبعينيات الماضية، قبل أن يلجأ إلى الإصلاحات الضخمة اقتصاديًا واجتماعيًا وفي مجالات الخدمة العامة، مما سحب البساط من تحت أقدام الجبهة الشعبية لتحرير عُمان، وعاد الكثير من عناصرها ـ عودة الابن الضال ـ إلى رحاب السلطنة.

وكان أحمد السقاف خصمًا مشاكسًا لمن أرادوا مد أطماعهم إلى الخليج والجزيرة العربية، وفي مقدمتهم شاه إيران.

ولعله الصوت الذي عرّى عربدة الشاه وادعاءاته الباطلة باكرًا في خليجنا العربي، شعرًا ونثرًا، ومن ذلك قصيدته ذائعة الشهرة (عُمان والخليج العربي)، ومنها نقتطف:

كل شبر من التراب العماني

هو قلبي ومهجتي وكياني

أفتديه وكل حبة رمل

منه أغلى عندي من العقيان

أمة العرب أنجبتنا، فهذا

من معدٍّ وذاك قحطان

والشمال الذي يمّمه نجد

حبيب إلى الجنوب اليماني

وفي مسعى آخر، كان للكويت دور في وقف الحرب المدمرة بين دولتي شمال وجنوب اليمن عام 1979م. وقد دعت صنعاء السقاف لزيارتها خارج إطار زياراته السنوية للشمال والجنوب، لتفقد مشاريع الصحة والتعليم وسواهما التي تقدمها الكويت للبلدين.

وكان الغرض طلب صنعاء من الكويت التدخل لوقف الحرب بين الشطرين، بعد أن اكتسحت القوات الجنوبية أراضي شمالية واسعة.

وقد أسفرت المساعي عن وقف الحرب وترتيب لقاء بين رئيسي البلدين، عبدالفتاح إسماعيل وعلي عبدالله صالح، في الكويت، تمخض عن توقيع اتفاقية على طريق الوحدة اليمنية.

وزار بعدها صنعاء وعدن ـ وما أكثر زياراته لهما ـ عام 1981م، عندما عقد اتحاد الأدباء العرب مؤتمره في عدن، وعقد مهرجان الشعر في صنعاء، وكان السقاف رئيسًا لوفد بلاده الكويت، فألقى قصيدته (صنعاء)، ويقول فيها:

قدمت فاستقبلتني بالهوى عدن

والحب مذ كان ما ضنت به اليمن

مهد العروبة لا يجحد مكانتها

إلا غريق في العمى أفن

يا ابن الجزيرة، عار أن تنام ضحى

كفاك ما صنع الإهمال والوسن

قم للخليج وصن تلك الثغور

فقد ضاقت بمن تحمل الأمواج والسفن

وهذه النكهة العروبية تتكرر في كل أشعار السقاف، حين تفيض قريحته بما تحمله النفس من هموم وآمال وطموحات أمتها العربية، من طنجة حتى المنامة، ومن حلب حتى عدن.

وقد أسهبنا في سنوات سابقة، وعلى صفحات (الأيام) الغراء، كتابةً عن إسهامه الكبير في إصدار مجلة (العربي) الشهيرة، التي صدر العدد الأول منها في ديسمبر 1958م، ولا تزال تواصل دورها التنويري حتى اليوم.

أما دوره أثناء العدوان الصدامي العراقي على الكويت في 2 أغسطس 1990م، فقد كان موضوعًا متكررًا لي في السنوات الماضية، ودور السقاف السياسي ونشاطه الثقافي لفضح تلك الغزوة المشينة على الكويت، وما جرته من تداعيات خطيرة، ليس على الكويت فحسب، وإنما على عموم الوطن العربي حتى الساعة.

رحم الله الأديب الكبير والشاعر الرائع أحمد السقاف رحمة واسعة.