> تعز "الأيام" خاص:
في الوقت الذي تشهد فيه جبهات الساحل الغربي، ولا سيما محيط مدينة المخا، تصعيدًا عسكريًا ومواجهات متواصلة مع الحوثيين، تبدو محافظة تعز الخاضعة لنفوذ حزب الإصلاح منشغلة بمعركة الجبايات والأتاوات وتعدد نقاط التحصيل.
المفارقة بين المشهدين تطرح سؤالًا سياسيًا وعسكريًا يتجاوز حدود الجبايات نفسها: كيف يمكن لمحافظة تقع في قلب جغرافيا الحرب مع الحوثيين أن تتوسع فيها نقاط تحصيل الأموال والرسوم غير الواضحة، بينما تتحمل مناطق الساحل الغربي عبء المواجهة المباشرة وتدفع ثمنها عسكريًا وبشريًا؟
في المخا ومحيطها، تخوض القوات التابعة للمقاومة الوطنية التي يقودها الفريق الركن طارق صالح مواجهات مع الحوثيين على خطوط التماس، في واحدة من أكثر الجبهات حساسية بحكم موقعها القريب من باب المندب والساحل الغربي. وهناك، وفق ما تكشفه التطورات الميدانية، تفرض طبيعة المواجهة على القوات حالة استنفار دائم، في معركة ترتبط بأمن الساحل والملاحة الدولية وموازين القوة في غرب اليمن.
وعلى الجانب الآخر، تتكرر في تعز شكاوى المواطنين والسائقين والتجار من تحصيل مبالغ مالية عند نقاط أمنية وعسكرية، رغم التوجيهات السابقة بإنهاء الجبايات غير القانونية ورفع نقاط التحصيل.
وتحدث سائقون عن مبالغ تُفرض عند نقطة الصافية بمنطقة المنتجع، تتراوح بين ألفين وخمسة آلاف ريال، وقد ترتفع في بعض الحالات إلى نحو عشرة آلاف ريال، مقابل سندات لا توضح، بحسب إفاداتهم، بصورة كافية الجهة التي تقف وراء التحصيل أو الأساس القانوني للمبلغ.
ولا تتوقف الشكاوى عند وسائل النقل؛ إذ تتحدث إفادات محلية عن مبالغ تفرض على المزارعين تحت مسميات مرتبطة بالنظافة والتحسين، إلى جانب شكاوى التجار من إجراءات إغلاق وعقوبات تزيد من صعوبة ممارسة النشاط الاقتصادي في المحافظة.
المشكلة هنا لا تكمن فقط في قيمة المبالغ، وإنما في صورة أوسع تتشكل من تعدد نقاط التحصيل والجهات التي يُتهم بتحصيلها، وغياب الوضوح بشأن مصير الأموال، وما إذا كانت تدخل فعلًا ضمن الإيرادات العامة أم تتحول إلى موارد خارج إطار الدولة.
المقارنة بين المخا وتعز لا تعني أن الوضع الاقتصادي في الأخيرة أقل أهمية من المعركة العسكرية، لكنها تكشف مفارقة تستحق التوقف: في الوقت الذي تحتاج فيه الجبهة الغربية إلى كل الإمكانات والموارد والجهود لتثبيت خطوط المواجهة مع الحوثيين، يبدو جزء من نشاط السلطات المحلية في تعز منصبًا على تحصيل الأموال من المواطنين ووسائل النقل والأسواق.
وتزداد المفارقة حدة إذا ما قورنت طبيعة الخطاب السياسي والعسكري المعلن. فالمقاومة في الساحل الغربي تقدم نفسها باعتبارها قوة تواجه الحوثيين ميدانيًا وتدافع عن المناطق المحررة، بينما تظهر في تعز، وفق الشكاوى، مظاهر استنزاف اقتصادي داخلي لا تتناسب مع طبيعة محافظة يفترض أنها في حالة تعبئة مستمرة ضد الجماعة الحوثية.
ومن هنا تنشأ تساؤلات سياسية لا يمكن تجاهلها، خصوصًا مع حالة الجمود التي تشهدها جبهات أخرى داخل تعز ومأرب والبيضاء، مقابل تصاعد الضغط العسكري على الساحل الغربي.
فهل يعود ذلك إلى حسابات عسكرية بحتة؟ أم أن هناك صراعًا داخل معسكر الشرعية حول هوية القوة التي يجب أن تتقدم في مواجهة الحوثيين؟
لطالما اتسم المشهد اليمني بتعدد القوى المناهضة للحوثيين وتضارب مصالحها، وهو ما جعل الحرب لا تُدار دائمًا وفق قاعدة«عدو واحد وجبهة واحدة». وفي هذا السياق، ينظر حزب الإصلاح إلى بعض القوى العسكرية والسياسية المناهضة للحوثيين باعتبارها منافسين على النفوذ والقرار، وليس شركاء في مواجهة الجماعة الحوثية.
المقاومة الوطنية في الساحل الغربي أحد أبرز هذه الأطراف، وهو ما يجعل أي تعثر في إسناد جبهتها أو تخفيف الضغط عنها محل قراءة سياسية، خصوصًا عندما تتزامن معه حالة من الجمود في جبهات أخرى يفترض أن تشكل ضغطًا موازيًا على الحوثيين.
ومن هنا تظهر، في الخطاب السياسي والإعلامي المناهض للإصلاح، فرضية وجود تقاطع مصالح غير معلن بين الحوثيين وبعض مراكز النفوذ داخل معسكر الشرعية، بحيث تصبح إطالة أمد الحرب والحفاظ على خرائط النفوذ القائمة أهم من تحقيق تقدم عسكري حقيقي ضد الحوثيين.
لكن هذه الفرضية تظل بحاجة إلى أدلة ميدانية وسياسية موثقة، ولا يمكن تحويلها إلى حقيقة لمجرد وجود تشابه في النتائج أو تقاطع في المصالح. فالتخاذل العسكري، إن ثبت، قد تكون له تفسيرات أخرى، بينها الحسابات الحزبية، أو الخلافات داخل معسكر الشرعية، أو ضعف الإمكانات، أو غياب القرار العسكري الموحد.
في كل الأحوال، فإن استمرار الجبايات يضعف الجبهة الداخلية ويزيد من معاناة السكان، كما يرفع تكلفة نقل المواد الغذائية والبضائع ويضاعف الأعباء على التجار والمزارعين والسائقين.
والأخطر أن تتحول النقاط الأمنية والعسكرية إلى منافذ مالية بديلة، بحيث يصبح المواطن مطالبًا بالدفع في أكثر من نقطة، بينما تبقى الجهة المستفيدة والأساس القانوني للتحصيل غير واضحين.
وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحًا: مقاتل على جبهة المخا يخوض معركة مفتوحة مع الحوثيين، بينما مواطن أو سائق أو تاجر في تعز يخوض معركة يومية مع نقاط الجباية.
وبينما تسطر جبهات الساحل الغربي، بحسب أنصارها، ملاحم قتالية في مواجهة الحوثيين، فإن استمرار الجبايات في تعز يطرح سؤالًا أوسع حول أولويات القوى المسيطرة على المحافظة: هل الأولوية لتوحيد الجهود العسكرية ضد الحوثيين، أم لإدارة شبكات النفوذ والموارد داخل مناطق السيطرة؟
وفي النهاية، فإن الفارق بين المشهدين لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للمكايدة السياسية، بقدر ما يجب أن يكون مدخلًا لمراجعة أداء معسكر الشرعية بأكمله. فالحرب لا تُحسم بجبهة واحدة، ولا يمكن بناء انتصار عسكري في الساحل الغربي بينما تستنزف الجبهات الداخلية موارد السكان وتُدار وفق حسابات حزبية ومناطقية.
أما فرضية وجود تفاهمات سرية بين بعض القوى المناهضة للحوثيين والجماعة الحوثية، فتظل واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للجدل في المشهد اليمني، ولن تحسمها الاتهامات الإعلامية، بل ما قد تكشفه الوقائع الميدانية عن طبيعة القرارات العسكرية، وحجم الإسناد للجبهات، والجهات التي تستفيد فعليًا من استمرار الحرب وتجميدها في آن واحد.
فبينما المخا تقاتل على خط النار، وتعز تجبي خلف الخطوط، تتجدد الأسئلة حول من يخوض الحرب فعلًا، ومن يديرها، ومن يجد في استمرارها مصلحة تتجاوز هدف إسقاط الحوثيين.
المفارقة بين المشهدين تطرح سؤالًا سياسيًا وعسكريًا يتجاوز حدود الجبايات نفسها: كيف يمكن لمحافظة تقع في قلب جغرافيا الحرب مع الحوثيين أن تتوسع فيها نقاط تحصيل الأموال والرسوم غير الواضحة، بينما تتحمل مناطق الساحل الغربي عبء المواجهة المباشرة وتدفع ثمنها عسكريًا وبشريًا؟
في المخا ومحيطها، تخوض القوات التابعة للمقاومة الوطنية التي يقودها الفريق الركن طارق صالح مواجهات مع الحوثيين على خطوط التماس، في واحدة من أكثر الجبهات حساسية بحكم موقعها القريب من باب المندب والساحل الغربي. وهناك، وفق ما تكشفه التطورات الميدانية، تفرض طبيعة المواجهة على القوات حالة استنفار دائم، في معركة ترتبط بأمن الساحل والملاحة الدولية وموازين القوة في غرب اليمن.
وعلى الجانب الآخر، تتكرر في تعز شكاوى المواطنين والسائقين والتجار من تحصيل مبالغ مالية عند نقاط أمنية وعسكرية، رغم التوجيهات السابقة بإنهاء الجبايات غير القانونية ورفع نقاط التحصيل.
وتحدث سائقون عن مبالغ تُفرض عند نقطة الصافية بمنطقة المنتجع، تتراوح بين ألفين وخمسة آلاف ريال، وقد ترتفع في بعض الحالات إلى نحو عشرة آلاف ريال، مقابل سندات لا توضح، بحسب إفاداتهم، بصورة كافية الجهة التي تقف وراء التحصيل أو الأساس القانوني للمبلغ.
ولا تتوقف الشكاوى عند وسائل النقل؛ إذ تتحدث إفادات محلية عن مبالغ تفرض على المزارعين تحت مسميات مرتبطة بالنظافة والتحسين، إلى جانب شكاوى التجار من إجراءات إغلاق وعقوبات تزيد من صعوبة ممارسة النشاط الاقتصادي في المحافظة.
المشكلة هنا لا تكمن فقط في قيمة المبالغ، وإنما في صورة أوسع تتشكل من تعدد نقاط التحصيل والجهات التي يُتهم بتحصيلها، وغياب الوضوح بشأن مصير الأموال، وما إذا كانت تدخل فعلًا ضمن الإيرادات العامة أم تتحول إلى موارد خارج إطار الدولة.
المقارنة بين المخا وتعز لا تعني أن الوضع الاقتصادي في الأخيرة أقل أهمية من المعركة العسكرية، لكنها تكشف مفارقة تستحق التوقف: في الوقت الذي تحتاج فيه الجبهة الغربية إلى كل الإمكانات والموارد والجهود لتثبيت خطوط المواجهة مع الحوثيين، يبدو جزء من نشاط السلطات المحلية في تعز منصبًا على تحصيل الأموال من المواطنين ووسائل النقل والأسواق.
وتزداد المفارقة حدة إذا ما قورنت طبيعة الخطاب السياسي والعسكري المعلن. فالمقاومة في الساحل الغربي تقدم نفسها باعتبارها قوة تواجه الحوثيين ميدانيًا وتدافع عن المناطق المحررة، بينما تظهر في تعز، وفق الشكاوى، مظاهر استنزاف اقتصادي داخلي لا تتناسب مع طبيعة محافظة يفترض أنها في حالة تعبئة مستمرة ضد الجماعة الحوثية.
ومن هنا تنشأ تساؤلات سياسية لا يمكن تجاهلها، خصوصًا مع حالة الجمود التي تشهدها جبهات أخرى داخل تعز ومأرب والبيضاء، مقابل تصاعد الضغط العسكري على الساحل الغربي.
فهل يعود ذلك إلى حسابات عسكرية بحتة؟ أم أن هناك صراعًا داخل معسكر الشرعية حول هوية القوة التي يجب أن تتقدم في مواجهة الحوثيين؟
لطالما اتسم المشهد اليمني بتعدد القوى المناهضة للحوثيين وتضارب مصالحها، وهو ما جعل الحرب لا تُدار دائمًا وفق قاعدة«عدو واحد وجبهة واحدة». وفي هذا السياق، ينظر حزب الإصلاح إلى بعض القوى العسكرية والسياسية المناهضة للحوثيين باعتبارها منافسين على النفوذ والقرار، وليس شركاء في مواجهة الجماعة الحوثية.
المقاومة الوطنية في الساحل الغربي أحد أبرز هذه الأطراف، وهو ما يجعل أي تعثر في إسناد جبهتها أو تخفيف الضغط عنها محل قراءة سياسية، خصوصًا عندما تتزامن معه حالة من الجمود في جبهات أخرى يفترض أن تشكل ضغطًا موازيًا على الحوثيين.
ومن هنا تظهر، في الخطاب السياسي والإعلامي المناهض للإصلاح، فرضية وجود تقاطع مصالح غير معلن بين الحوثيين وبعض مراكز النفوذ داخل معسكر الشرعية، بحيث تصبح إطالة أمد الحرب والحفاظ على خرائط النفوذ القائمة أهم من تحقيق تقدم عسكري حقيقي ضد الحوثيين.
لكن هذه الفرضية تظل بحاجة إلى أدلة ميدانية وسياسية موثقة، ولا يمكن تحويلها إلى حقيقة لمجرد وجود تشابه في النتائج أو تقاطع في المصالح. فالتخاذل العسكري، إن ثبت، قد تكون له تفسيرات أخرى، بينها الحسابات الحزبية، أو الخلافات داخل معسكر الشرعية، أو ضعف الإمكانات، أو غياب القرار العسكري الموحد.
في كل الأحوال، فإن استمرار الجبايات يضعف الجبهة الداخلية ويزيد من معاناة السكان، كما يرفع تكلفة نقل المواد الغذائية والبضائع ويضاعف الأعباء على التجار والمزارعين والسائقين.
والأخطر أن تتحول النقاط الأمنية والعسكرية إلى منافذ مالية بديلة، بحيث يصبح المواطن مطالبًا بالدفع في أكثر من نقطة، بينما تبقى الجهة المستفيدة والأساس القانوني للتحصيل غير واضحين.
وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحًا: مقاتل على جبهة المخا يخوض معركة مفتوحة مع الحوثيين، بينما مواطن أو سائق أو تاجر في تعز يخوض معركة يومية مع نقاط الجباية.
وبينما تسطر جبهات الساحل الغربي، بحسب أنصارها، ملاحم قتالية في مواجهة الحوثيين، فإن استمرار الجبايات في تعز يطرح سؤالًا أوسع حول أولويات القوى المسيطرة على المحافظة: هل الأولوية لتوحيد الجهود العسكرية ضد الحوثيين، أم لإدارة شبكات النفوذ والموارد داخل مناطق السيطرة؟
وفي النهاية، فإن الفارق بين المشهدين لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للمكايدة السياسية، بقدر ما يجب أن يكون مدخلًا لمراجعة أداء معسكر الشرعية بأكمله. فالحرب لا تُحسم بجبهة واحدة، ولا يمكن بناء انتصار عسكري في الساحل الغربي بينما تستنزف الجبهات الداخلية موارد السكان وتُدار وفق حسابات حزبية ومناطقية.
أما فرضية وجود تفاهمات سرية بين بعض القوى المناهضة للحوثيين والجماعة الحوثية، فتظل واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للجدل في المشهد اليمني، ولن تحسمها الاتهامات الإعلامية، بل ما قد تكشفه الوقائع الميدانية عن طبيعة القرارات العسكرية، وحجم الإسناد للجبهات، والجهات التي تستفيد فعليًا من استمرار الحرب وتجميدها في آن واحد.
فبينما المخا تقاتل على خط النار، وتعز تجبي خلف الخطوط، تتجدد الأسئلة حول من يخوض الحرب فعلًا، ومن يديرها، ومن يجد في استمرارها مصلحة تتجاوز هدف إسقاط الحوثيين.









