• ماذا يقول الأوروبيون فعلًا عن الجنوب؟
في مقابلة خاصة مع مركز South24 للأخبار والدراسات، تحدث سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، باتريك سيمونيه، عن القضية الجنوبية ومستقبل العملية السياسية، وقدم جملة من التصريحات التي تستحق التوقف عندها؛ ليس فقط بما قاله، وإنما أيضًا بما تركه مفتوحًا بين السطور.

لسنوات، ظللنا نقول شيئًا يبدو بسيطًا، لكنه في السياسة أكثر تعقيدًا مما يبدو: المجتمع الدولي قد لا يصنع الوقائع على الأرض، لكنه في النهاية يتعامل معها.

واليوم، تأتي تصريحات السفير لتمنح هذه الفكرة ما يشبه الغطاء الدبلوماسي الهادئ.

لا، الاتحاد الأوروبي لا يعترف باستقلال الجنوب، ولا يتخلى عن موقفه المعلن بشأن وحدة اليمن. هذه هي اللغة الرسمية التي لا تزال قائمة، ولا حاجة إلى ليّ عنق التصريح لإثبات عكسها؛ لكن اللغة الرسمية ليست كل القصة.

ففي المقابل، يقول السفير إن القضية الجنوبية «قضية سياسية مهمة ومعقدة»، وإن أصوات الجنوبيين ووجهات نظرهم يجب أن تكون ممثلة تمثيلًا حقيقيًا وهادفًا في أي عملية سياسية شاملة، وإن أي تسوية مستدامة يجب أن تعكس التنوع القائم في الجنوب، وألا تفترض أن هناك طرفًا واحدًا يمثل جميع مكوناته وتوجهاته.

وهنا تبدأ القراءة السياسية لما بين السطور.

فحين تنتقل القضية الجنوبية، في خطاب دبلوماسي أوروبي، من مجرد «مظالم» إلى كونها قضية سياسية، فنحن أمام اعتراف بأن هناك مسألة سياسية قائمة بذاتها، وليست مجرد شكوى محلية يمكن احتواؤها ببعض الوعود أو المناصب أو الترتيبات المؤقتة.

وحين يقول السفير إن «اليمنيين أنفسهم ينبغي أن يحددوا شكل وآليات معالجة القضية الجنوبية»، فهو لا يضع مسبقًا شكلًا نهائيًا للحل، ولا يقول إن المعالجة يجب أن تنتهي بالضرورة إلى صيغة مركزية بعينها؛ بل يترك الباب مفتوحًا، وهذه ليست جملة عابرة.

لأن المجتمع الدولي يستطيع أن يكرر، عامًا بعد عام، تمسكه بوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه. لكنه عندما يصل إلى طاولة التسوية، لا يستطيع أن يتعامل مع الأرض كما كانت قبل عشر سنوات، ولا مع موازين القوى كما كانت قبل خمس سنوات، ولا مع القضية الجنوبية وكأنها ملف مؤجل يمكن وضعه مجددًا في درج الانتظار.

الشرعية الدولية لا تُمنح لمجرد السيطرة العسكرية، لكن السيطرة المستقرة على الأرض تصنع وزنًا سياسيًا لا يستطيع المجتمع الدولي تجاهله إلى الأبد.

وهنا تكمن المسألة.

ليس معنى ذلك أن المجتمع الدولي يقول للجنوبيين: «خذوا الأرض وسنعترف بكم». لا أحد قال ذلك؛ لكن السياسة الدولية أكثر واقعية من شعاراتها أحيانًا.

هي تقول لك عمليًا: لن أمنحك الاعتراف لمجرد أنك فرضت واقعًا، لكنني عندما أبحث عن تسوية لن أستطيع تجاهل واقعك إذا أصبح مستقرًا ومؤثرًا.

وهناك فرق هائل بين الاثنين: الأول هو الاعتراف، والثاني هو الاعتراف بالوزن السياسي.

والوزن السياسي هو الذي يُحجز به المقعد على طاولة التسوية.

ولذلك تصبح عبارة السفير عن أن الجنوبيين هم من يحددون شكل وآليات معالجة قضيتهم أكثر أهمية مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

فإذا لم يكن شكل الحل محسومًا سلفًا، وإذا كان المطلوب تمثيلًا حقيقيًا وهادفًا للجنوبيين، وإذا كانت القضية الجنوبية يجب أن تُعالج بجدية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من سيحدد شكل الدولة في نهاية المطاف؟ والجواب، وفق هذه اللغة الأوروبية نفسها: اليمنيون. وهنا نعود إلى ما قلناه منذ سنوات.

السياسة ليست دفتر أمنيات، والمجتمع الدولي لا يعيش على الخرائط القديمة وحدها. هناك أرض، وسكان، ومؤسسات، وقوة، وأمن، ومصالح، ووقائع تتراكم مع الزمن.

وقد لا يعترف العالم بك دولةً اليوم، لكنه قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها من المستحيل أن يصوغ مستقبل البلاد من دونك. وهذا هو الفارق بين أن تطلب من العالم الاعتراف بك، وبين أن تجعل تجاهلك سياسيًا أكثر كلفة من التعامل معك.

لذلك، ربما لم يقل السفير الأوروبي: «افرضوا الأمر الواقع»؛ لكنه قال، بلغة السياسة والدبلوماسية، شيئًا أقرب إلى منطقها: اصنعوا واقعًا لا يمكن تجاهله، وحين تأتي لحظة التسوية، لكل حدثٍ حديث. والتاريخ السياسي لا يُكتب بما نريده فقط، بل بما يصبح ممكنًا على الأرض.

هذه القراءة لا تفترض أن الاتحاد الأوروبي أعلن موقفًا جديدًا من استقلال الجنوب، وإنما تقرأ ما ورد في مقابلة السفير مع مركز South24، وتحديدًا المساحة التي تركتها تصريحاته مفتوحة أمام شكل التسوية السياسية المقبلة. أما الاعتراف، فله وقته… ولكل حدثٍ حديث.