الثلاثاء, 18 أغسطس 2026
558
كلما تعقّدت القضية الجنوبية، عاد الحديث عن الحوار الجنوبي-الجنوبي باعتباره الطريق إلى الحل. ورغم أهمية الحوار في تقريب وجهات النظر، فإن تجربة السنوات الماضية تفرض هذا التساؤل: هل سيقود حوار جديد إلى نتيجة مختلفة، أم سيكون مجرد حلقة أخرى في سلسلة من اللقاءات التي تنتهي بتأجيل القضية أكثر مما تقود إلى حلها؟ فالقضية الجنوبية لم تعد بحاجة إلى مزيد من النقاش حول من يمثل الجنوب، بقدر حاجتها إلى سؤال أكثر وضوحًا وحسمًا: ماذا يريد الجنوبيون أنفسهم؟ وهنا قد يكون الاستفتاء هو الطريق الأقصر.
فبدلًا من أن تتنافس القوى الجنوبية، التي نشأت في ظروف داخلية أو خارجية، على حق تمثيل الجنوب، يمكن الاحتكام مباشرة إلى إرادة الجنوبيين. فإذا كانت الأغلبية تريد استعادة الدولة الجنوبية، فليكن ذلك ما تريده، وإذا اختارت الوحدة بصيغة جديدة، أو نظامًا اتحاديًا، أو أي صيغة أخرى، فليكن القرار لها.
فالاستفتاء ينقل القضية من صراع النخب على التمثيل إلى تمكين الشعب من تقرير مستقبله.
لكن هذا الخيار ليس مجرد صندوق اقتراع. فنجاحه يتطلب اتفاقًا واضحًا على من يحق له التصويت، وضمان حياد العملية، ووجود رقابة مستقلة، والتزام جميع الأطراف باحترام النتيجة. وإلا تحوّل من وسيلة للحل إلى سبب جديد للصراع.
أما الحوار الجنوبي-الجنوبي، فيمكن أن تكون له وظيفة مهمة في الاتفاق على ضوابط الاستفتاء، وضمان نزاهته، والتفاهم مع الأطراف الشمالية على تنظيم العلاقة وقبول نتائجه.
وهنا يتغير السؤال تمامًا: بدل أن نجلس سنوات لنتفق على الجهة التي تتحدث باسم الجنوب، لماذا لا نتفق على آلية تجعل الجنوبيين أنفسهم أصحاب الكلمة في تحديد مستقبلهم؟
لقد استنزفت هذه القضية وقتًا طويلًا، وتداخلت فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، وتبدلت موازين القوى أكثر من مرة، بينما ظل السؤال الأساسي مؤجلًا.
لذلك، فإن الحل لا يكمن في إطالة النقاش إلى ما لا نهاية، ولا في فرض طرف على آخر بالقوة، وإنما في إعطاء الشعب فرصة حقيقية ليقول كلمته.
إذا كان هناك من يعتقد أن الجنوبيين مع الوحدة، فليحتكم إلى اختيارهم، ومن يرى أنهم يريدون الاستقلال، فليحتكم إليه أيضًا.
فهذا الاحتكام ينقل القضية من التكهن بما يريده الناس إلى معرفة خيارهم الحقيقي.
قد يقرّب الحوار مواقف النخب، لكنه لا يستطيع وحده أن يحسم ما يريده الشعب؛ أما الاستفتاء، إذا توافرت له شروط النزاهة والشفافية والقبول بما يفرزه، فيستطيع أن ينقل القضية من جدل التمثيل إلى حقيقة الاختيار.
وفي النهاية، ليست القضية: من يمثل الجنوب؟ بل السؤال الأهم: ماذا يريد الجنوب؟ وعندما يقول الجنوبيون كلمتهم بحرية ونزاهة، يصبح على الجميع أن يستمع إليها؛ فالقضايا الكبرى لا تُحسم إلى الأبد بمن يتحدث باسم الشعوب، وإنما بما تقوله الشعوب عن نفسها.