حين يخرج أبناء عدن اليوم في وقفة رفض للمساس بحرم معبد الخساف، فإنهم لا يخرجون دفاعًا عن مذهب ولا عن شعيرة ولا عن طائفة، بل يخرجون دفاعًا عن تاريخ مدينة موثق في حجرها وساحلها وأسواقها وذاكرة أهلها، وعن حق قانوني أصيل في صيانة إرث حضاري هو ملك عام للأجيال وليس ملكًا لأي جهة أو فرد. القضية من الأساس ليست صراع هويات، وليست مقارنة بين دور عبادة، فدور العبادة في عدن تُقام وتُصان وفق الدستور والقانون وفي المواقع المخصصة لها بالتخطيط الحضري، أما المواقع الأثرية والتاريخية فهي شواهد حضارية تخضع لقانون حماية الآثار الوطني والاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الدولة، ولا يجوز شرعاً ولا قانونًا ولا عرفًا تحويلها أو البناء عليها أو استبدالها تحت أي مسمى.

عدن عبر تاريخها الطويل كانت مفترق طرق التجارة العالمية وبوابة اليمن على البحر، وكانت مدينة العلم والأدب والشعر والتجارة والفن. مدينة احتضنت على أرضها أجناساً وأعراقاً وثقافات ولغات في نسيج اجتماعي واحد قائم على التعايش والمصلحة والإبداع. هذا التنوع هو الذي صنع خصوصية عدن ومنحها قوتها الناعمة وصورتها العالمية كمدينة سلام وانفتاح. والعبث اليوم بأي موقع أثري داخل نطاقها ليس اعتداء على حجارة فقط، بل هو مساس متعمد بامتداد هذه الرواية التاريخية، ومحاولة لطمس دليل مادي على أن عدن كانت وستظل مدينة منفتحة على العالم لا يمكن اختزالها في لحظة سياسية أو مصلحة ضيقة.

ومن هذا المنطلق فإن الدفاع عن حرم الخساف هو دفاع عن سيادة القانون أولاً. القانون اليمني النافذ واللوائح المنظمة لهيئة الآثار والتراث تجرّم أي اعتداء على المواقع الأثرية وتلزم أجهزة الدولة بحمايتها وصيانتها وتوثيقها. كما أن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة تلزم الدولة بصون التراث الثقافي باعتباره مسؤولية وطنية وإنسانية. وأي تجاوز لهذا الإطار القانوني هو مخالفة صريحة تستوجب الوقف الفوري للأعمال والمساءلة القضائية للمتورطين دون استثناء أو مماطلة.

سياسياً وإدارياً، لا شرعية لسلطة لا تحمي ما يميز مدينتها. والتساهل اليوم في حماية موقع تاريخي هو سابقة تفتح الباب غداً للعبث بكل ما تبقى من معالم عدن وسواحلها وجبالها وأسواقها. لذلك فإن المطلوب موقف رسمي واضح لا يحتمل الاجتهاد: إعلان الحرم منطقة أثرية محمية، ووقف أي أعمال فيه، وتشكيل لجنة تحقيق شفافة تعلن نتائجها، ونشر الخرائط والوثائق الخاصة بالموقع للرأي العام لإغلاق باب التأويل والشائعات.

تنموياً واستثمارياً، فإن عدن لا تحتاج إلى مشاريع تمحو هويتها لتثبت جدواها. تحتاج إلى استثمار يحترم خصوصيتها ويبني عليها. التجارب العالمية أثبتت أن صيانة المواقع التاريخية وتأهيلها هي استثمار مستدام يخلق فرص عمل ويجذب السياحة الثقافية ويرفع من قيمة المدينة الاقتصادية. حين نحمي الخساف ونوثقه ونفتحه للزيارة المنضبطة فإننا نحول التاريخ إلى مورد، وحين نتركه للتجاوزات نخسر الأثر ونخسر ثقة المستثمر الذي يبحث عن بيئة مستقرة لها هوية واضحة.

مجتمعياً وثقافياً، يدرك أبناء عدن أن الذاكرة لا تُعوّض. يمكن تعويض مبنى أو شارع، لكن لا يمكن استنساخ تاريخ. خروج الناس اليوم هو تعبير عن وعي بأن ما يُنتزع الآن باسم الأمر الواقع لن يعود غداً باسم القانون، وأن التفريط بعلامة واحدة من علامات المدينة هو بداية لتفريط أكبر.

إنها قضية مغلقة من كل الأبواب. لا مجال فيها للمواربة ولا للمزايدة ولا لاصطياد العبارات. نحن أمام موقع أثري له حرمة القانون وله قيمة تاريخية وثقافية واقتصادية. المطلوب اليوم حماية فورية بالقوة القانونية، ومساءلة واضحة، وتوثيق وحراسة وتأهيل، ورؤية تنموية تربط هذا الإرث بمستقبل المدينة دون المساس بأصالته.

إلى السلطة المحلية والتنفيذية في عدن، وإلى الحكومة والوزارات المعنية، وإلى وزارة الثقافة وهيئة الآثار، وإلى الإعلام والرأي العام: التاريخ لا يسجل النوايا بل يسجل المواقف. ويا أبناء عدن، هذا إرث مدينتكم وأمانة في أعناقكم، وما لم يُصَن اليوم باليقظة والوعي والقانون سيُنتزع غداً بالصمت.

عدن هي تاريخ وهوية. عدن ليست عقاراً يُقسم ولا قطعة أرض تُباع. عدن ذاكرة لا تُقايض، وإرث لا يُستبدل.