​هناك مؤسسات لا تكون مجرد اسم في ذاكرة الوطن، بل تصبح جزءًا من وجدانه، ومن تفاصيل أيامه، ومن ذاكرة أجياله، وهكذا كانت صحيفة الأيام بالنسبة لي، وبالنسبة لكثير من أبناء اليمن.
لم تكن«الأيام» مجرد صحيفة تصدر وتُقرأ ثم تُطوى صفحاتها؛ كانت منبرًا حرًا، ومدرسة صحفية، وصوتًا يعرف كيف يقف في المكان الصعب حين يكون الوقوف ثمنه كبيرًا.

كانت الصحافة يومها مهنة لها هيبتها، والكلمة لها وزنها، والقلم مسؤولية لا مساحة للعبث بها، وفي تلك البيئة، صنعت «الأيام» مكانتها؛ لا بالصخب، ولا بملاحقة الشهرة، ولا بمحاولة إرضاء الجميع، وإنما بالثقة التي بنتها مع القارئ، وبالقدرة على أن تكون قريبة من الناس، وقادرة في الوقت نفسه على قول ما يجب أن يُقال.

وكان وراء هذا الصرح عميدها الراحل محمد علي باشراحيل، الذي وضع اللبنات الأولى لهذه المدرسة الصحفية، ثم واصل أبناؤه هشام وتمام باشراحيل حمل رسالته، والحفاظ على مكانة «الأيام» كمنبر للكلمة الحرة وصوتٍ له حضوره في المشهد الوطني والصحفي.

ولم تتوقف الحكاية عند هذا الجيل؛ فقد امتدت إلى الأحفاد أيضًا، الذين أصبح منهم رؤساء صحف ورؤساء تحرير وإعلاميون، ليؤكدوا أن الصحافة في هذه الأسرة لم تكن وظيفة عابرة، وإنما ثقافة راسخة ورسالة توارثتها الأجيال.
إنها أسرة إعلامية بامتياز، ارتبط اسمها بالصحافة اليمنية لعقود، وكان حضورها جزءًا من تاريخ الكلمة الحرة في اليمن، ولهذا بقيت«الأيام» في ذاكرة اليمنيين أكثر من صحيفة.

كانت جزءًا من المشهد الوطني، ومن تاريخ عدن، ومن ذاكرة الصحافة اليمنية، ومدرسة تخرج منها صحفيون وإعلاميون حملوا معها شيئًا من أخلاق المهنة وهيبتها.
وأنا حين أكتب عن«الأيام»، أكتب عن مكان لها في قلبي، وفي تجربتي، وفي بلدي.

كنت ابنةً وتلميذةً لجيل من أولئك الكبار الذين تعلمنا منهم أن الصحافة ليست شهرة، ولا عدد متابعين، ولا قدرة على رفع الصوت؛ الصحافة مسؤولية، وأخلاق، وموقف، واحترام لعقل القارئ.
ومن «الأيام» كان لي شرف الوصول إلى مقعد إعلامي لدى المقر الإعلامي الأوروبي التابع للأمم المتحدة في جنيف قبل نحو ربع قرن، في سبق صحفي أعتز بأن الصحيفة كانت جزءًا من تحقيقه.

لذلك، حين أتذكر«الأيام»، لا أتذكر صفحات قديمة فقط، وإنما أتذكر زمنًا كانت فيه الصحافة قادرة على أن تكون مدرسة، وكان للصحفيين الكبار حضورهم، وللكلمة حسابها، وللموقف ثمنه، وربما لهذا أقول اليوم بكل هدوء:"الأيام" لم تولد كبيرة لأن أحدًا صنع لها مكانة، بل لأنها كانت كبيرة قبل أن يولد كثير ممن يحاولون اليوم أن يقتربوا من قامتها أو ينافسوا حضورها.

قد تتغير الأزمنة، وتتبدل الوجوه، وتتعدد المنابر، لكن هناك فرقًا بين من يصنع تاريخه بالسنوات، ومن يحاول أن يصنع لنفسه مكانًا بالإساءة إلى تاريخ الآخرين.
«الأيام» لا تحتاج إلى معركة كي تثبت أنها كانت وستظل جزءًا من ذاكرة الصحافة اليمنية، يكفيها أثرها، ويكفيها أنها كانت هناك.. منبرًا حرًا حين كانت حرية الكلمة امتحانًا، ومدرسةً حين كانت الصحافة مهنة للكبار.

وفي«ويبقى الأثر» لا أملك أمام هذا التاريخ إلا أن أقول: بعض الأسماء لا يكبرها الزمن؛ لأنها وُلدت كبيرة."الأيام" وُلدت كبيرة، وستبقى كبيرة.