> «الأيام» غرفة الأخبار:
قال وزير الخارجية اليمني الأسبق، والمستشار الحالي لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وممثله في الولايات المتحدة، خالد اليماني، إن محاولات بناء معسكر موحّد في مواجهة ميليشيا الحوثي من دون معالجة أوضاع الجنوب سيفضي، بحسب تقديره، إلى "إعادة إنتاج الانقسام داخل المعسكر نفسه".
وأوضح اليماني، في حوار مع "إرم نيوز"، أن مشاركة القوات الجنوبية في مواجهة الحوثيين خارج جغرافيا الجنوب"ليست شيكًا على بياض"، مشترطًا لأي انخراط أوسع اعترافًا سياسيًا بحق الجنوب، وضمانات تحول دون توظيف تلك القوات في مشاريع لا تخدم قضيته، إلى جانب وضوح القيادة والهدف والمآل السياسي للمواجهة.
ووصف الدبلوماسي السابق، التحولات التي شهدها الجنوب منذ مطلع العام الجاري بأنها "إعادة هندسة قسرية" للمشهد السياسي والعسكري والأمني، معتبراً أن إضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات التابعة له لا يمثل مجرد تغيير في موازين القوى المحلية، وإنما ينطوي على مخاطر استراتيجية على مهمة التحالف العربي في اليمن، فضلاً عن تداعياته على التوافقات الداخلية.
وأشار إلى أن موقع الجنوب الجغرافي يجعله جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن البحري الإقليمي والدولي، مضيفًا أن حماية الممرات الملاحية تتطلب شريكاً مستقراً على الضفة الجنوبية، وليس إدارة مشتتة، على حد تعبيره.
وفيما يلي نص الحوار:
- بداية، كيف تقرؤون طبيعة التحولات السياسية والعسكرية والأمنية في جنوب اليمن؟ وما دلالات إعادة تشكيل المشهد وإضعاف حضور المجلس الانتقالي الجنوبي؟
ما جرى منذ أواخر 2025 ليس تحولاً طبيعياً في موازين قوى محلية، بل إعادة هندسة قسرية من قبل الوصاية الإقليمية وأدواتها للمشهد الجنوبي بعد أن فرض الشارع والميدان معادلة جديدة تمثلت في سيطرة أوسع للمجلس والقوات المسلحة الجنوبية الباسلة، وما تمخض عنها في البيان السياسي وإعلان دستوري، من مسار واضح نحو قيام الاستقلال الثاني لجنوبنا العربي على حدود ما قبل 1990.
أحداث يناير لم تكن ضربة عسكرية وأمنية، بل كانت خيانة للعهد، وما استهداف القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، وهي تقوم بمهمتها وفق تفويض التحالف وبعلمه، وما تلاه من خروج شريك أساسي من المعادلة الميدانية، يشكل خطرًا استراتيجيًا على مهمة التحالف في اليمن، وضربًا للتوافقات التي قامت عليها سلطات الأمر الواقع الانتقالية لما بعد إزاحة الرئيس عبدربه منصور هادي، وما ترتب عنها من فتح الباب على مصراعيه لعودة خلايا وتنظيمات إرهابية كانت قد أُخرجت من المشهد الجنوبي، مثل الإخوان المسلمين. والقاعدة.
والنتيجة التي يعتقد من خطط لهذا المشهد أنه سيكون بمقدوره إقصاء الحضور المؤسسي والميداني والشعبي للمجلس، واستيعاب شرذمة من القيادات الجنوبية وفرض الوحدة عليها بقوة الوصاية الخارجية. لكن الدلالة الأعمق مختلفة، التي ترتبت عن تلك التطورات أن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لم يكن حزباً حتى يُحل ببيان من خارج البلاد، بل هو إطار ناظم ومظلة سياسية لإرادة شعب الجنوب ممتدة عميقا في الأرض منذ غزو الشمال للجنوب 1994.من يعتقد أن إضعاف الهياكل يُنهي القضية يكرر خطأ 1994 وخطأ كل من راهن على أن الجنوب يُدار بالوصاية أو بالإلحاق. اليوم، المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، وقائده عيدروس بن قاسم الزبيدي، يقفان اليوم شامخين بعد أشهر من تلك الأحداث المؤسفة، مسيجين بشعب الجنوب في طول وعرض الجغرافيا الجنوبية من المهرة إلى باب المندب من أجل هدف واحد لا نحيد عنه يتمثل في الاستقلال الناجز.
- إلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه التحولات في مستقبل القضية الجنوبية ومسارها السياسي؟
تؤثر في الأدوات والجدول الزمني، لا في جوهر الحق. القضية الجنوبية ليست مشروعاً تنظيمياً يضعف بضعف مكتب أو لواء؛ هي قضية شعب ودولة سابقة أُلحقت بالقوة عام 1994.
بتقديري إن التحولات دفعت القضية من خانة "الملف المؤجل" إلى خانة "الشرط الذي لا يمكن تجاوزه". كل محاولة لبناء معسكر موحّد ضد الحوثي دون معالجة الجنوب تعيد إنتاج الانقسام داخل المعسكر نفسه، وهذا ما حذّرنا منه مراراً.
المسار السياسي للقضية لم يُغلق؛ تغيّر عنوانه من المطالبة بشراكة داخل شرعية منهكة ينخرها الفساد إلى استعادة دولة عبر إعلان دستوري واضح نضعه أمام الملأ، وضمانات، واستفتاء إن لزم، وحوار ندّي مع الشمال وفق مبدأ لا ضرر ولا ضرار ولا وصاية على الجنوب ولا إلحاق.
قد يكون الرأي دقيق في التشخيص، خاطئ في الاستنتاج. نعم، هناك تباين في الحسابات: شريك رأى في الجنوب ملفاً أمنياً وحدودياً يُدار من أعلى، ويزج بأبنائه لحل مشكلة الفشل المستعصي في جبهات الشمال الانهزامية التي ينخر فيها الإخوان المسلمين، وشريك آخر بنى مع الجنوب شراكة ميدانية صادقة على طول امتداد الساحل الغربي وفي العمق الجنوبي. ليأتي هذا القرار من طرف واحد لإعادة اليطرة على ملف أكبر من قدرته على إدارته، وأخرج شريكاً وأضعف قوة كانت الأكثر تنظيماً في مواجهة الإرهاب والتهريب. وها هي تباشير الإرهاب والقرصنة والفشل تبدو جلية بعد سبعة أشهر فقط.
لكن الاصطدام ليس قدراً إذا انتقل النقاش من "وحدة متخيلة"، تبث عقمها، إلى مصالح قابلة للقياس: أمن باب المندب، تأمين خطوط الطاقة، مكافحة الإخوان والقاعدة وداعش، ومنع تحول الحوثي إلى خطر وجودي على التحالف وعلى اليمن، ومركز إقليمي لتعميم الإرهاب في القرن الأفريقي.
المجلس لن يعيد النظر في الهدف، استعادة دولة الجنوب العربي الاتحادية كاملة السيادة، بل في طريقة عرض الضمانات: دولة مسالمة، غير عدائية، شريك أمني للخليج وللملاحة الدولية، تحمي مصالح الشمال في الجنوب كما تطالب بحماية مصالح الجنوب حيث وُجدت، وحماية المصالح الحيوية للأشقاء في التحالف.
- برأيكم، هل لا تزال قضية الجنوب تحظى بأولوية لدى الأطراف الإقليمية والدولية، أم أن المتغيرات الأخيرة دفعتها إلى مرتبة ثانوية أمام أولوية مواجهة الحوثيين وحماية أمن الملاحة؟
هي ليست ثانوية إلا في عقول كتبة الخطاب الرسمي الذي ما زال يصرّ على "يمن واحد، والوحدة أو الموت، أو الوحدة قدر إلهي" بعد أن ماتت عملياً منذ اليوم الأول، ويتم دفنها يوميا في كل جبهات المواجهة وفي خيانة الإخوان المسلمين للتحالف، وفي الشرذمة التي تمتهن تجارة السياسة في الفنادق.
أما في حسابات الأمن الفعلي، الجنوب هو مفتاح الملاحة لا ذيلها. نحو خُمس التجارة العالمية يمر من مجالنا الحيوي. من يضع مواجهة الحوثي وأمن الملاحة في كفة والجنوب في كفة أخرى يفصل بين المشكلة وأرض الحل.
ما حدث بعد يناير أثبت العكس مما يُروَّج: تعطيل القوات الجنوبية فتح ثغرات للقرصنة، لنشاط القاعدة، ولشبكات تربط اليمن بالصومال والقرن الأفريقي. التقارير الاستخباراتية الميدانية تتحدث اليوم عن تحول الحوثي من فرع إلى مركز. إذن الأولوية الدولية لأمن البحر الأحمر لا تُبعد القضية الجنوبية؛ هي ترفع ثمنها. من يريد ممرًا آمنًا يحتاج شريكًا مستقرًا على الضفة الجنوبية، لا إدارة مشتتة تعيد تدوير الجماعات التي حاربها الجنوبيون أصلًا.
الجنوبي قاتل حيث طُلب منه أن يقاتل، ودفع من دمه ثمن وحدة لم يجنِ منها إلا الإقصاء. قواتنا حمت الجناح الجنوبي لمأرب يوم كانت على وشك السقوط. لكن المعادلة القديمة،"أجّل دولتك حتى تُحسم معركة الشمال"، انتهت، ولن تنطلي على أحد من أحرار الجنوب.
الاستعداد للمشاركة خارج جغرافيا الجنوب ليس شيكاً على بياض. أي إسهام عسكري أوسع يُربط بثلاثة أمور: اعتراف سياسي بأن الحرب الشمالية ليست بديلاً عن حق الجنوب، ضمانات بألا تُستخدم قوات الجنوب وقوداً لمشروع إخواني أو لإعادة إنتاج مركز صنعاء القديمة، وترتيب واضح للقيادة والهدف والنهاية السياسية نحو الاستقلال، والإعلان الدستوري أمامكم. أما إذا فكّر الحوثي في "الانتحار" بالتقدم جنوباً فسيجد في طريقه ما لا يحتمله.
نغيّر الإطار أولاً. لسنوات قُدّمت القضية كـ"انفصال" عن دولة قائمة، أو كأزمة جناح داخل الشرعية. هذا الإطار خاطئ قانونياً وسياسياً. نحن نتحدث عن استعادة الوضع السابق على وحدة 1990، وعن حق تقرير مصير شعب له دولة وتاريخ وحدود ومؤسسات سابقة، لا عن تفكيك بلد متماسك.
ثالثاً، نفصل بين المجلس كحاضن للقضية وبين أي رواية تختزله في وكالة إقليمية. المجلس مشروع وطني جنوبي مفتوح لكل من يرفع راية الاستقلال. دورنا في واشنطن والأمم المتحدة أن نجعل هذا واضحاً لصانع القرار: تجاهل الجنوب لا يحفظ وحدة اليمن، بل يهدد استراتيجية مكافحة الحوثي نفسها، ويهدد بتدهور أوسع لمنطقة تشكل نقطة عبور وتلاقي للمصالح الأمريكية والغربية لا يمكن تجاهلها.
ما أبرز الملفات التي ستضعونها على أجندة التحرك الخارجي للمجلس الانتقالي خلال المرحلة المقبلة؟
تثبيت السردية القانونية: الإعلان الدستوري، الميثاق الوطني، حق تقرير المصير، والاستفتاء تحت إشراف أممي عند الحاجة.
مسار أمريكي واضح: الإدارة، الكونغرس، مراكز القرار المعنية بمكافحة الإرهاب والأمن البحري، بما في ذلك ملف الإخوان كحاضنة إرهاب لا كـ"مكون سياسي".
الأمم المتحدة: كسر احتكار المبعوث لصيغة "يمن واحد طرفان"، وإدراج المسار الجنوبي بنداً مستقلاً لا هامشاً في مشاورات الشمال والحوثي.
أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي: الربط الموثق بين الحوثي وحركة الشباب وشبكات التهريب والقرصنة بعد الفراغ الذي تركه إضعاف القوات الجنوبية.
الضمانات الإقليمية: جنوب مستقر مسالم، لا قاعدة لتهديد أحد، وشريك في أمن الخليج لا عبئاً عليه.
الملف الإنساني والاقتصادي للجنوب: الكهرباء، الموارد، الموانئ، بوصفها استحقاقاً لأهل الأرض لا منّة مركز بعيد، والتأكيد على أن ما يجري اليوم هو شكل من العقاب الجماعي.
الاثنان معاً، لكن المركز هو طهران والوظيفة إقليمية. الحوثي لم يعد مجرد وكيل يتلقى التعليمات؛ هو يتحول—كما وثّقت دراسات حديثة—من فرع إلى مركز: تدريب، تجنيد أفريقي، لوجستيات عبر الصومال وجيبوتي والسودان، وارتباط بحركة الشباب والقاعدة والإخوان، تخادم ومنافع متبادلة لقوى الشر.
إعادة تنشيط البحر الأحمر والقرن الأفريقي ليست "رداً حوثياً" معزولاً؛ هي ورقة في تفاوض إيران على بقائها ونفوذها، تماماً كما تتوقف الضربات حين تحتاج طهران هدنة وتعود حين تريد ضغطاً.
القرار التكتيكي قد يُتخذ في صنعاء، أما السقف الاستراتيجي فإيراني. من يعامل الحوثي كفاعل محلي فقط سيُفاجأ بأنه يبني شبكة عابرة لباب المندب. ولهذا الجنوب ليس متفرجًا: المجال البحري الجنوبي هو الخط الأمامي لهذه الشبكة، وأي فراغ أمني فيه يُترجم فوراً إلى تهديد للملاحة الدولية.
بصيغتها الحالية: لا. العملية الأممية بُنيت على فرضية دولة واحدة وطرفين (شرعية–حوثي)، بينما الواقع ثلاثي على الأقل: حوثي مسيطر في الشمال، سلطة معترف بها منهكة ومقسمة، وجنوب له قضية دولة وإرادة شعبية لا تُختزل في مقعد داخل مجلس قيادة.
أي منظام إدارة سير العمل للتحرير و الإعلانات
سار جديد يتجاهل الجنوب يعيد إنتاج اتفاقات ناقصة، من ستوكهولم إلى ما بعده، تُجمّد جبهة وتفتح أخرى. التسوية الشاملة الوحيدة الممكنة مساران متوازيان: إنهاء مشروع الحوثي/إيران في الشمال، وتسوية الندّية بين الشمال والجنوب على أساس دولتين تتعايشان وتضمنان المصالح المشتركة. من دون ذلك، السلام الأممي إدارة أزمة لا حل أزمة.
الأقرب في المدى المتوسط ليس عودة اليمن الموحّد ولا حسماً عسكرياً كاملاً ضد الحوثي، بل نتوقع انهيارات للجبهات الشمالية في حال قرر الحوثي المبادرة، تماما مثلما سقطت الجوف، ومذبحة نقيل جبارة، وانهيارات جبهة تعز المتواصلة. الأقرب استمرار واقع حل الدولتين الفعلي، مع واحدة من ثلاث نهايات:
إما اعتراف تدريجي منظم بمسارين، وهذا الأقل كلفة للخليج ولواشنطن وللملاحة، عبر خريطة طريق وفك ارتباط متفق عليه أو استفتاء.
وإما استمرار الإنكار السياسي مع تفاقم الفوضى الأمنية في الجنوب وعودة الشبكات الإرهابية، بما يضعف المعسكر المناهض للحوثي ويفيد صنعاء وطهران.
وإما انفجار إذا أُغلقت أبواب السياسة تماماً؛ الجنوب شعبٌ قاتل من قبل بريطانيا العظمى، ولن يقبل أن يُطلب منه مرة ثالثة أن يموت من أجل وحدة لم توجد إلا على الورق.












