> د. سعيد شرياف:

في المقالات السابقة، حاولنا أن نقترب من سؤال الجنوب من أكثر من زاوية. قرأنا التاريخ لا باعتباره ماضيًا انتهى، وإنما باعتباره تجربة ما تزال حاضرة في وعينا.
ثم انتقلنا إلى سؤال الدولة: أي جنوب نريد؟ وكيف يمكن أن نبني دولة تتجاوز أخطاء الماضي، وتمنح الإنسان حياة أكثر أمنًا واستقرارًا وعدلًا؟

وفي المقال الأخير وصلنا إلى سؤال الغاية: من أجل من نبني الدولة؟ وكانت الإجابة واضحة: من أجل الإنسان.

لكن إذا كان الإنسان هو غاية الدولة، وإذا كنا نريد دولة حديثة ومؤسسات قوية وقانونًا عادلًا، فإن سؤالًا آخر يفرض نفسه قبل أن نبدأ في رسم شكل هذه الدولة:هل نستطيع أن نبني دولة حديثة بعقلية اجتماعية ما تزال تحمل بعض 
قواعد الماضي؟

السؤال هنا ليس اتهامًا للمجتمع، ولا حكمًا على الموروث، ولا دعوة إلى القطيعة مع الهوية. إنه سؤال عن شيء أكثر عمقًا: هل تغيرت علاقتنا بالسلطة والقانون والمؤسسة والمصلحة العامة بالقدر الذي يسمح لنا ببناء دولة مختلفة؟
  • المشكلة ليست في الموروث
ليس من الحكمة أن نتعامل مع القبيلة أو البداوة أو الموروث الاجتماعي باعتبارها شرًا مطلقًا يجب التخلص منه؛ ففي هذا الموروث قيم إنسانية واجتماعية عظيمة: النجدة، والشجاعة، والكرم، والوفاء، وإغاثة المحتاج، وحماية الجار، والتكافل، وتحمل المسؤولية تجاه الجماعة. هذه القيم ليست عائقًا أمام الدول؛ بل يمكن أن تكون جزءًا من القوة الأخلاقية للمجتمع.

المشكلة تبدأ عندما تنتقل بعض قواعد العصبية من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي والمؤسسي. عندما يصبح الانتماء الضيق معيارًا للثقة السياسية. وعندما تصبح القرابة أقوى من الكفاءة. وعندما يصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة. وعندما تصبح الوساطة طريقًا للحصول على الحق. وعندما تتحول الخصومة إلى ثأر، والخلاف إلى صراع، والغلبة إلى وسيلة لحسم الاختلاف.
هنا لا تعود المسألة مجرد موروث اجتماعي. هنا تصبح مسألة تتعلق بشكل الدولة التي نستطيع بناءها.
  • منطق الجماعة ومنطق الدولة
المجتمع يمكن أن يقوم على دوائر متعددة من الانتماء. الأسرة، والعائلة، والقبيلة، والمنطقة، والجماعة الاجتماعية. ولا مشكلة في ذلك ما دامت هذه الدوائر تعمل في مجالها الطبيعي؛ لكن الدولة الحديثة تحتاج إلى دائرة أوسع:المواطنة.
المواطن لا يفقد انتماءاته السابقة عندما يصبح مواطنًا؛ لكنه يقبل أن تكون هناك قاعدة مشتركة أعلى منها جميعًا عندما يتعلق الأمر بالشأن العام.

في المجتمع الحديث، يمكن أن تقول: هذا قريبي، وهذا ابن قبيلتي، وهذا صديقي؛ لكن عندما تدخل إلى المؤسسة العامة، يجب أن يصبح السؤال:من الأحق؟ لا: من الأقرب؟
وعندما تختلف مع شخص، ينبغي أن يكون السؤال: ما الذي يقوله القانون؟ لا: من يقف خلفه ومن يقف خلفي؟
هذه النقلة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة واحدة من أصعب التحولات التي تحتاجها المجتمعات في طريقها إلى بناء الدولة.
  • ابن القبيلة والمواطن
قد يكون الإنسان ابن قبيلة، وابن منطقة، وابن عائلة معروفة، وفي الوقت نفسه مواطنًا كامل الحقوق. لا تعارض بين الأمرين؛ لكن الدولة تبدأ عندما يصبح المواطن أكبر من موقعه الاجتماعي داخل الدولة.

عندما لا يكون اسم العائلة طريقًا إلى الوظيفة. ولا تكون القبيلة شبكة حماية من القانون. ولا تكون المنطقة سببًا للحصول على ما لا يستحقه الآخرون.

ولا تتحول الصداقة مع المسؤول إلى باب خلفي للمؤسسة. فإذا حدث ذلك، فإننا لا نكون قد ألغينا الدولة، لكننا نكون قد أفرغنا مؤسساتها من معناها. وقد تكون لدينا وزارة، لكن القرار الحقيقي خارجها. وقد تكون لدينا محكمة، لكن الناس يبحثون عن وسيط قبل أن يبحثوا عن القانون. وقد تكون لدينا وظيفة عامة، لكن الطريق إليها يمر عبر العلاقات لا عبر الكفاءة. وقد تكون لدينا انتخابات، لكننا نعيد إنتاج الولاءات القديمة بأدوات جديدة. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: يمكن أن تتغير مؤسسات الدولة أسرع بكثير من تغير الثقافة التي تديرها.
  • الشخص أم المؤسسة؟
من أهم التحولات التي نحتاجها أن نعيد تعريف علاقتنا بالشخص العام. في الثقافة التي تتمحور حول الأشخاص، يصبح المسؤول هو الدولة. وجوده يفتح الأبواب، وغيابه يغلقها. وتصبح العلاقة معه أهم من القاعدة التي يعمل من خلالها.

أما في الدولة المؤسسية، فالمسؤول مجرد موظف مؤقت في موقع دائم. يأتي ويغادر؛ لكن المؤسسة تبقى. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: من سيحكم؟ بل: كيف سيُحكم؟ ومن يملك الصلاحية؟ ومن يراقبه؟ وما حدود سلطته؟ وكيف يمكن محاسبته؟ وكيف يستمر العمل بعد رحيله؟ هذه هي الثقافة التي تجعل المؤسسة أقوى من الشخص. والدولة أقوى من الحاكم. والقانون أقوى من الجميع.
  • من ثقافة الواسطة إلى ثقافة الحق
ربما لا يوجد مثال يومي يكشف الفارق بين العقليتين مثل الواسطة. في مجتمع يعتمد على العلاقات، قد تبدو الواسطة أحيانًا أمرًا طبيعيًا، بل وقد ينظر إليها البعض باعتبارها نوعًا من الوفاء للصديق أو القريب؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح العلاقة الشخصية بديلًا عن القاعدة العامة. عندما يحصل شخص على ما لا يستحق لأن لديه من يتدخل له، فإن شخصًا آخر يخسر ما يستحقه. ولهذا فالواسطة ليست مجرد مسألة أخلاقية فردية. إنها في النهاية مشكلة مؤسسية. لأنها تقول للمواطن بطريقة غير مباشرة: القانون موجود، لكن معرفتك بالشخص المناسب قد تكون أهم منه.
وبناء الدولة الحديثة يتطلب أن نعكس هذه المعادلة:المؤسسة أولًا، والعلاقة الشخصية ثانيًا.
  • الاختلاف ليس خصومة
هناك تحول آخر لا يقل أهمية: كيف نختلف؟ المجتمعات لا تبنى على الاتفاق الدائم؛ بل على القدرة على إدارة الاختلاف. قد نختلف على السياسة، وعلى الاقتصاد، وعلى شكل الدولة، وعلى توزيع الصلاحيات، وعلى الأولويات. وهذا طبيعي؛ لكن المشكلة تبدأ عندما نرى الاختلاف باعتباره تهديدًا للوجود.

فإذا أصبح الخصم السياسي عدوًا، وأصبح النقد إهانة، وأصبح التراجع عن الرأي ضعفًا، وأصبح الاعتراف بخطأ الجماعة خيانة لها، فإن بناء المؤسسات يصبح صعبًا جدًا.

الدولة الحديثة لا تحتاج إلى مجتمع متطابق في آرائه. إنها تحتاج إلى مجتمع يستطيع أن يختلف دون أن يهدم المشترك. وهذه أيضًا ثقافة تحتاج إلى أن نتعلمها.
ماذا نفعل بالماضي إذن؟ لا نحتاج إلى محاربة الماضي. ولا نستطيع أصلًا.

المطلوب هو أن نأخذ منه ما يقوينا، وأن نعرف في الوقت نفسه ما الذي لم يعد صالحًا لإدارة مجتمع حديث. يمكن أن نأخذ من القبيلة روح التكافل، لكن لا ننقل العصبية إلى المؤسسة. ويمكن أن نحتفظ بقيمة الوفاء، لكن لا نجعل الوفاء للشخص فوق القانون. ويمكن أن نحافظ على الشجاعة، لكن نجعل شجاعة الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه جزءًا منها. ويمكن أن نحافظ على الكرم، لكن نجعل المال العام أمانة لا مجال فيها للمجاملة. ويمكن أن نعتز بالانتماء المحلي، لكن نجعل المواطنة الإطار الذي يجمع الجميع. المطلوب ليس هدم الموروث، بل تحويل أفضل ما فيه إلى قيم تخدم الدولة بدل أن تنافسها.
  • المدرسة والإعلام والمسجد والأسرة
ولهذا فإن بناء الدولة ليس مهمة السياسيين وحدهم. إنه يبدأ قبل السياسة. في الأسرة التي تعلم طفلها أن القانون لا يُحترم فقط عندما يكون في مصلحته. وفي المدرسة التي تعلّم الطالب أن النجاح ليس بالحفظ وحده، وإنما بالمسؤولية والانضباط واحترام الآخر. وفي الإعلام الذي لا يحول كل خلاف إلى معركة. وفي الخطاب الديني والاجتماعي الذي يعزز قيمة العدل والمسؤولية العامة، لا مجرد الولاء للجماعة. وفي المجتمع الذي يتعلم أن الاختلاف لا يعني العداء؛ فالدستور يستطيع أن يحدد شكل المؤسسات، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق ثقافة تحترم المؤسسات.

والقانون يستطيع أن يضع العقوبة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الضمير الذي يمنع الإنسان من تجاوز القانون عندما لا يراه أحد. وهنا تحديدًا تظهر أهمية الوعي.

الدولة التي نريدها تحتاج إنسانًا جديدًا حين نقول «نريد دولة حديثة»، يجب ألا نفكر فقط في المباني والقوانين والهياكل الإدارية. علينا أن نفكر أيضًا في الإنسان الذي سيدير هذه المؤسسات، والإنسان الذي سيتعامل معها، والإنسان الذي سيراقبها، والإنسان الذي سيصوت، والإنسان الذي سيعارض، والإنسان الذي سيشغل الوظيفة العامة.

هل يستطيع أن يضع المصلحة العامة فوق مصلحته الضيقة؟ هل يستطيع أن يقبل أن يفوز منافسه إذا كان أكثر كفاءة؟ هل يستطيع أن يحاسب قريبه إذا أخطأ؟ هل يستطيع أن يقبل القانون عندما يكون ضده كما يقبله عندما يكون لصالحه؟ هل يستطيع أن يترك المنصب دون أن يشعر أن الدولة قد انتهت بخروجه؟ هذه ليست أسئلة عن شكل الدولة. إنها أسئلة عن الثقافة التي ستعيش داخل الدولة.
  • من تغيير الوعي إلى بناء الدولة
وهنا نصل إلى النقطة التي أعتقد أنها يجب أن تسبق كل نقاش حول الدستور وشكل الحكم واللامركزية. يمكننا أن نختلف لاحقًا حول عدد مستويات الحكم، وصلاحيات المركز والمحافظات، وكيفية توزيع الثروة، وشكل النظام السياسي، وآليات الرقابة، والضمانات الدستورية. كل هذه أسئلة مهمة؛لكن هناك سؤالًا يسبقها: هل نريد أن نبني هذه المؤسسات بعقلية الماضي، أم نريد أن نغيّر الطريقة التي نتعامل بها معها؟ لأن الخطر الحقيقي ليس فقط أن نفشل في بناء مؤسسات جديدة. الخطر أن نبني مؤسسات حديثة، ثم نضع داخلها القواعد القديمة نفسها. فنغير الاسم، ويبقى السلوك. ونغير القانون، وتبقى الواسطة. وننشئ المؤسسات، ويبقى الشخص أقوى منها. ونعلن المواطنة، وتبقى العصبية هي معيار الثقة. ونتحدث عن الدولة، بينما يبحث كل طرف عن الدولة التي تخدم جماعته. عندها لن تكون المشكلة في الدستور. ستكون في الثقافة التي تحاول الالتفاف عليه.

ولهذا فإن «كيف نبني؟» لا ينبغي أن يكون سؤالًا عن الهندسة السياسية فقط. إنه سؤال عن إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدولة والمجتمع. نحتاج إلى دولة حديثة، نعم؛ لكننا نحتاج أيضًا إلى وعي حديث بالدولة. وعي يعرف أن الانتماء لا يلغي المواطنة. وأن الوفاء لا يعني تجاوز القانون. 

وأن القوة ليست في القدرة على فرض الإرادة، وإنما في القدرة على احترام القاعدة المشتركة. وأن المؤسسة يجب أن تبقى أقوى من الأشخاص. وأن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة إذا عرفنا كيف نديره. وأن الدولة لا تصبح حديثة بمجرد أن نكتب دستورًا حديثًا، وإنما عندما تصبح قيم القانون والمواطنة والمؤسسة جزءًا من السلوك اليومي للمجتمع. وهنا ربما تبدأ الخطوة الحقيقية في رحلة البناء. أن نغيّر الوعي قبل أن نطلب من الدولة أن تتغير؛ فالدولة التي نريدها لن تُبنى فقط بما نكتبه في الدستور، وإنما بما نؤمن به ونمارسه في حياتنا اليومية.
ومن هنا تبدأ الخطوة التالية في سؤالنا الكبير: كيف نبني؟