هناك أيام لا تمر في حياة الشعوب كما تمر بقية الأيام؛ أيام تحمل معانيها الخاصة، وتبقى محفورة في الذاكرة، لأن وراءها حكاية وطن، وسيرة رجال، وتضحيات لا تقاس بالكلمات. والأول من سبتمبر من كل عام واحد من هذه الأيام الراسخة في الذاكرة الجنوبية الحية.
ففي هذا اليوم يحتفل شعب الجنوب باليوم الوطني للجيش الجنوبي، ويستعيد مسيرة هذا الجيش الأبي الذي ارتبط اسمه بتاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بكل فخر واعتزاز. كما يستعيد ذكرى رجال ارتدوا الزي العسكري دفاعًا عن الوطن، وجعلوا من الانضباط والواجب والتضحية عنوانًا لحياتهم، وسجلوا أروع مآثر البطولات ومعاني التضحية.
لم يكن الأول من سبتمبر مجرد عيد عسكري، بل كان مناسبة وطنية يكرّم فيها الجنوب جيشه ورجاله، ويعظّم مآثرهم الوطنية، ويستحضر بطولات شهدائه وجرحاه، ويحتفي بتجربة مؤسسة عسكرية تركت حضورها المشرف في تاريخ الجنوب والمنطقة.
ومع قيام الوحدة اليمنية عام 1990 توقفت الاحتفالات الرسمية بهذه المناسبة، لكن الأول من سبتمبر لم يتوقف في الذاكرة الجنوبية. فقد ظل حاضرًا في وجدان العسكريين وأسرهم وفي وجدان أبناء الجنوب عمومًا، وظل الاحتفال به يتجدد عامًا بعد عام، وفاءً لجيش كان جزءًا من تاريخ وطن، وتكريمًا للرجال الذين خدموا في صفوفه، وللشهداء والجرحى الذين قدموا حياتهم وأجسادهم في ميادين الواجب فداءً للوطن وصونًا لمنجزاته.
جيشٌ صنع لنفسه مكانًا في التاريخ
كان الجيش الجنوبي، في مراحل مختلفة من تاريخه، مؤسسة عسكرية ذات تقاليد راسخة، عُرف أفرادها بالانضباط والتدريب العالي المستوى، وروح الفداء والتضحية والابداع في فنون الحرب ٫ وفي عمق ارتباطه بالشعب ، وكان له حضور وهيبة في محيطه الإقليمي والعربي.
وقد تختلف القراءات السياسية للتجربة التي نشأ في ظلها ذلك الجيش، لكن ذلك لا ينتقص من حقيقة أن وراءه آلاف الرجال الذين جعلوا من الخدمة العسكرية مهنة وحياة، ومن الواجب مسؤولية، ومن التضحية قيمة راسخة، ودافعوا بشرف عن حياض الوطن، وبشجاعة واقتدار.
ومن هنا ظل الجيش حاضرًا في الذاكرة الجنوبية كمصدر فخر واعتزاز، وظل الأول من سبتمبر مناسبة لاستعادة سيرته وتكريم رجاله.
- 1994.. حين تفككت المؤسسة ولم تنكسر القضية
كانت حرب 1994، وكان السابع من يوليو محطة فاصلة في تاريخ الجنوب. ولم تنتهِ آثار تلك الحرب بانتهاء المعارك؛ فقد بدأت بعدها مرحلة طالت تدمير مؤسسات الجنوب ومقدراته، وكانت المؤسسة العسكرية في مقدمة المؤسسات التي تعرضت للتفكيك والإقصاء.
فقد جرت إحالة أعداد كبيرة من العسكريين الجنوبيين إلى التقاعد والتسريح القسري وهم في عز عطائهم العسكري، وحُرم كثير منهم من وظائفهم ورواتبهم ومواقعهم، ووجد رجال أمضوا سنوات طويلة في الخدمة أنفسهم خارج المؤسسة التي أفنوا فيها أعمارهم.
لكن اختزال قصة هؤلاء العسكريين في حرمانهم من حقوقهم الوظيفية وحدها لا يعكس حقيقة ما جرى.
فالتسريح والإقصاء القسري كانا جزءًا من واقع أوسع شعر معه أبناء الجنوب بأن نتائج حرب 1994 لم تتوقف عند إسقاط المؤسسات العسكرية، وإنما امتدت إلى إقصاء الجنوب سياسيًا واجتماعيًا ومؤسسيًا، وإلى فرض واقع جديد بالقوة.
ولهذا، عندما بدأ العسكريون الجنوبيون تحركاتهم، لم يخرجوا إلى الساحات للمطالبة بوظائفهم ورواتبهم فحسب، بل كانوا في الأساس طليعة الرافضين لاحتلال الجنوب وفرض الوحدة بالقوة، ورفضًا للظلم والتعسف والإقصاء، ودفاعًا عن الحرية والكرامة والحق، رافعين راية الحرية نحو مستقبل يختاره ويقرره أبناء الجنوب بأنفسهم.
ومن هنا كان حضور العسكريين المسرحين قسرًا في بدايات الحراك السلمي الجنوبي ذا دلالة خاصة.
لقد انتقلوا من ساحات المؤسسة العسكرية إلى ساحات النضال السلمي، ومن المطالبة بحقوقهم الشخصية إلى حمل قضية وطنية أوسع، بكل شجاعة.
لم يكن سلاحهم في تلك المرحلة بندقية، وإنما كانت إرادتهم الوطنية وصوتهم الرافض للظلم والقهر السياسي، وحقهم في الاحتجاج السلمي، أقوى سلاح ارتهب منه نظام صنعاء، فواجهه بالعنف والاعتقال والتشريد.
ومن هنا يمكن فهم استمرار الاحتفاء بالأول من سبتمبر طوال سنوات الحراك السلمي وما بعدها، بوصفه رمزًا وتكريمًا للبطولات والأمجاد وتكريمًا لصناعها.
فالمناسبة لم تعد مجرد ذكرى لجيش كان قائمًا قبل الوحدة، وإنما أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية للهوية الجنوبية؛ ذاكرة تستحضر الدولة الجنوبية وتستحضر الجيش ورجاله، وتستحضر في الوقت نفسه ما تعرض له منتسبوه بعد حرب 1994، وما أسهموا به في النضال السلمي الذي أعاد القضية الجنوبية إلى الواجهة.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن المؤسسة قد تُفكك، لكن الذاكرة لم ولن تُفكك. وقد يُجرد الإنسان من رتبته وموقعه، لكن ليس من السهل تجريده من كرامته أو من انتمائه الوطني.
- الجنوب يبني جيشه من جديد
حين بدأ الجنوب بناء جيشه من جديد، بدأت مرحلة جديدة ، شهدت تشكيل قوات عسكرية وأمنية جنوبية فتية. وكان للمجلس الانتقالي الجنوبي، منذ تأسيسه، الدور المحوري في تبني مشروع بناء هذه القوات وتنظيمها وتطوير قدراتها، انطلاقًا من رؤيته للحاجة إلى قوة جنوبية تتولى حماية الأرض والمجتمع ومواجهة التهديدات العسكرية.
ولم تكن عملية البناء سهلة؛ فالقوات التي تشكلت في هذه المرحلة لم تبدأ من مؤسسة قائمة ومتكاملة، بل نشأت في ظل حرب مفتوحة، وتهديدات متعددة، وتعقيدات سياسية وعسكرية وإقليمية، وفي مواجهة مباشرة مع الحوثيين الطامعين في أرض الجنوب وثرواته . ومع ذلك، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تصبح طرفًا أساسيًا في المعادلة العسكرية على الأرض.
والأهم أنها دخلت ميدان المواجهة، وخاضت وحدات وتشكيلات جنوبية معارك متعددة ضد الحوثيين وفي مكافحة الارهاب في أكثر من جبهة، وقدمت أعدادًا كبيرة من الشهداء والجرحى، ودافعت عن الأرض والسيادة الجنوبية، وأثبتت حضورًا عسكريًا جعلها، في الوعي السياسي الجنوبي، إحدى أدوات حماية القضية الجنوبية، وقوة قادرة على حماية الأرض والشعب. وهنا تتصل حلقات التاريخ ببعضها.
فالجيل الذي أُخرج من الجيش بعد حرب 1994 حمل قضيته إلى ساحات النضال السلمي، والجيل الذي نشأ في ظروف الحرب الأخيرة حمل راية رفاق السلاح الأوائل مرة أخرى، ليس دفاعًا عن موقع عسكري فحسب، وإنما دفاعًا عن الأرض والكرامة والقضية الجنوبية.
إن أهمية القوات الجنوبية التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة لا تكمن في بعدها العسكري وحده، بل في الدور الذي أدته في حماية أرض الجنوب وسيادته، ومكافحة الإرهاب، وفي المعارك التي خاضتها ضد الحوثيين والارهابيبن، وفي تثبيت حضور القضية الجنوبية على الأرض.
فالقضايا الوطنية لا تعيش بالخطاب السياسي وحده، بل تحتاج إلى مجتمع يحملها، وإلى حضور سياسي يعبر عنها، وإلى قوة تحمي الشعب والأرض في الظروف التي يصبح فيها الأمن والدفاع ضرورة لا خيارًا.
ومن هذا المنظور، ارتبط الجيش الجنوبي الجديد، في الوعي السياسي، بمسار القضية الجنوبية، وأصبح ما يحققه في الميدان جزءًا من عناصر القوة التي تستند إليها القضية في حضورها السياسي.
فالجيش الجنوبي الذي ينشده المستقبل ينبغي أن يكون مؤسسة وطنية حديثة، مهنية ومنضبطة، تستفيد من خبرة الأجيال السابقة، وتحفظ حقوق منتسبيها، وترعى شهداءها وجرحاها، وتحمي الأرض والمجتمع، وتكون قادرة على أداء دورها في إطار مؤسسي واضح.
أن أفضل تكريم لجيش الأمس، وأصدق وفاء لجيش اليوم، هو أن يكون المستقبل أكثر عدلًا تجاه الجندي، وأكثر احترامًا لتضحياته، وأكثر قدرة على بناء مؤسسة عسكرية وطنية تليق بتاريخ الرجال الذين حملوا رايتها.
- سلامٌ على جيشٍ صنع التاريخ
سلامٌ على الجيش الجنوبي الجديد الذي حمل السلاح مجددًا، وخاض ويخوض معاركه في مواجهة أعداء الوطن، وقدم شهداء وجرحى دفاعًا عن الأرض والسيادة الوطنية ومن أجل انتصار القضية الجنوبية.
- سلامٌ على المرابطين في جبهات القتال
سلام وتقدير وثناء على أسر أولئك الأبطال الذين دفعوا أغلى ما لديهم ثمنًا للواجب ودفاعًا عن الوطن.
















